“بيضتوها؟!”.. هكذا يستقبل الدمشقيون رمضان

دمشق-
تربط الدمشقيين مع اللون الأبيض علاقةٌ قديمةٌ تعود إلى بدايات تأسيس المدينة القديمة قبل آلاف السنين، فهواللون الأساسي الذي تقوم عليه الهندسة الدمشقية للعمران البشري، وعليه يدخل الأبيض برمزيته ودلالاته في شؤونحياتهم كافة؛ الدينية والدنيوية من المهد إلى اللحد مروراً بشهر رمضان
تستقبلك المئذنة البيضاء متكئةً على باب دمشق الشرقي مطلةً على الشارع المستقيم، الذي يستقبلك بالياسمينالأبيض على امتداد جدران دمشق القديمة وأزقتها، يأخذك السحر مدهوشاً بين حواريها، وتشدك تفاصيلها حتى تجدنفسك داخل لوحةٍ هندسيةٍ قوامها الأساسي اللون الأبيض الذي يعكس طباعهم وهدوءهم، مشكلاً ما يُعرف بالأبلقوهو نمط اصطفاف مداميك الحجر مختلفة الألوان التي تزين جدران البيوت الدمشقية، تنتظر مائدة الإفطار، تتأملأواني الطعام بيضاء اللون على وقع موسيقا جرن الكبّة، تأخذك الموسيقا تلك إلى طابور البوظة العربية في سوقالحميدية التراثي، يقطع صمت الدهشة صوت المهباج ورائحة المسكة تفوح منها مقدَمةً في صحنٍ أبيضٍ، بوظةعربية بالقشطة بيضاء، ولا يكاد يقترب موعد أذان المغرب حتى تتزين المائدة بأنواعٍ مختلفة من الأطعمة قوامهاالأساسي “رز بشعيرية” مع أكلة بيضاء غالباً ما تكون كبة لبنية أو شاكرية وربما شيش برك أو شيخ محشي، وقد تكوناليقطين باللبن أو الباشا وعساكره من أكلات اللبن البقري غالباً، وهي عادةٌ قديمة لأهل الشام كما يرويها العم أبورياض هيثم الفحل ابن حي ساروجا الدمشقي، يطلقون عليها “البياض”، ولا تقتصر هذه العادة على أول يومٍ من شهررمضان، بل يستقبل بها الشوام أعياد الفطر والأضحى، ومن طرائف اليوم الأول في رمضان كما يحدثنا هيثم الفحلوهو باحثٌ في التراث الشعبي الدمشقي “فقدان اللبن من الأسواق نتيجة تضاعف استهلاكه والطلب عليه؛ لذا عليكأن توصي عليه قبل أيام وتحجز دورك للحصول على سطل لبن”، ويتفاءل الدمشقيون القدامى بهذه العادة انطلاقاًمن دلالة اللون الأبيض الذي يحمل الخير كونه لون الغيوم ورمزاً للسلام والصفاء، اعتقاداً منهم بأنّ أيامهم ستكونبيضاء، ويختم العم أبو رياض حديثه بذكرياته مع والدته الراحلة قائلاً: “حين يبدأ الطعام كانت تقول لنا والدتي: اللهيجعل كل أيامكم بيضاء”.
العلاقة التفاعلية بين الدمشقيين واللون الأبيض تقوم ربما على أساس العِرق السامي الذي ينحدرون منه وموقعهمالجغرافي الذي فرض عليهم خلال تاريخهم الميل إلى السلام والسياسة في إدارة شؤونهم الخاصة والعامة وصبرهمالذي ترسّخ نتيجة امتهانهم للحرف اليدوية، ودماثتهم في التجارة التي استطاعوا من خلالها أن ينشروا ثقافتهم فيمشارق الأرض ومغاربها وغدت عادة “البياض” منتشرةً خارج سور دمشق، وبات السؤال الافتتاحي للأحاديثالسورية: بيضتوها؟
بقلم : أ. حسن يوسف فخور
26 شباط 2026م




