تفكيك خطاب الكراهية لبناء مجتمع آمن

في زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتداخل فيه الهويات والثقافات، لم يعد خطاب الكراهية مجرّد كلمات عابرة أو مواقف فردية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية لها انعكاسات خطيرة على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي. الكراهية حين تتحول إلى خطاب معلن، تصير شرارة قادرة على إشعال نزاعات، وتعميق انقسامات، ونسف قيم العيش المشترك. ومن هنا تأتي الحاجة الملحّة إلى تفكيك هذا الخطاب، وفهم آلياته، والعمل على بناء منظومة فكرية وأخلاقية تحصّن المجتمع من سمومه.
أولاً: ماهية خطاب الكراهية:
خطاب الكراهية هو كل تعبير لفظي أو مكتوب أو بصري يستهدف فئة معينة بسبب الدين أو العِرق أو الجنس أو الانتماء الاجتماعي أو السياسي، ويحاول تصويرها كخطر يجب عزله أو محاربته. هذا الخطاب لا يقتصر على الشتائم أو الإقصاء المباشر، بل قد يتسلل عبر النكات الساخرة، الإيحاءات الإعلامية، أو حتى الخطابات السياسية المغلّفة بشعارات براقة.
ثانياً: آليات إنتاج خطاب الكراهية:
1. التضليل الإعلامي: نشر معلومات مغلوطة أو منحازة تزرع الشكوك والعداوات.
2. شيطنة الآخر: تصوير المختلف وكأنه تهديد لوجود الجماعة.
3. الاستثمار في الخوف: تضخيم الأخطار والمبالغة في تصويرها لإثارة القلق الجماعي.
4. التكرار: إعادة إنتاج الأفكار العدائية حتى تتحول إلى قناعات راسخة في الوعي العام.
ثالثاً: مخاطر خطاب الكراهية:
تمزيق النسيج الاجتماعي: إذ يحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع وجودي.
تغذية العنف: فالكلمة المتطرفة قد تتحول إلى فعل دموي.
إضعاف الثقة: حيث ينشأ الشك المتبادل بين مكونات المجتمع.
تشويه القيم: إذ يُستبدل منطق الحوار والإقناع بمنطق الإقصاء والتحريض.
رابعاً: تفكيك خطاب الكراهية:
تفكيك خطاب الكراهية لا يعني الرد بخطاب مضاد بنفس الحدة، بل يستلزم مقاربة عقلانية وأخلاقية:
1. الوعي النقدي: تدريب الأفراد على التمييز بين الرأي الحر والخطاب المسموم.
2. تعزيز التربية على القيم: غرس مبادئ التسامح والاختلاف الإيجابي منذ الطفولة.
3. تشجيع الإعلام المسؤول: الذي ينقل الحقائق بموضوعية ويمنح مساحة للأصوات المتنوعة.
4. سنّ تشريعات عادلة: تجرّم التحريض على الكراهية وتحمي حرية التعبير في الوقت نفسه.
5. المصالحة المجتمعية: فتح مساحات للحوار بين المختلفين وإعادة بناء الثقة.
خامساً: نحو مجتمع آمن:
المجتمع الآمن ليس ذلك الذي يخلو من الاختلافات، بل هو الذي يحوّل تنوّعه إلى مصدر ثراء وقوة. تفكيك خطاب الكراهية هو الخطوة الأولى نحو هذا الهدف، لأنه يهيئ بيئة يتساوى فيها الناس بالكرامة، ويشعر كل فرد فيها بالانتماء والحماية. الأمن الحقيقي لا تُوفّره فقط أجهزة الدولة، بل يُبنى من خلال خطاب جامع، يزرع بذور الاحترام ويُثمر تماسكاً اجتماعياً راسخاً.
إن مواجهة خطاب الكراهية ليست معركة ضد الكلمات فحسب، بل هي دفاع عن جوهر الإنسانية ذاته. وحين ندرك أن قوة المجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية التنوع وصون الكرامة، سنكون قد وضعنا الأساس المتين لبناء مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وسلاماً.
بقلم : لينا الضحاك.
الأحد 28 أيلول 2025م




