سوريا بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الحل السياسي

دمشق –
يشهد المشهد السوري في المرحلة الراهنة حالة من الاستقرار النسبي بعد سنوات طويلة من الصراع إلا أن هذا الاستقرار على أهميته لا يزال هشاً وغير قادر على التحول إلى تعافٍ حقيقي ما لم يستكمل بحل سياسي شامل ومستدام يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
لقد أظهرت التجربة بوضوح أن المقاربة الأمنية أو العسكرية وحدها لا تكفي للتعامل مع أزمة معقدة بحجم الأزمة السورية فالتحديات الأساسية اليوم باتت ذات طابع اقتصادي واجتماعي وإنساني وتنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين من ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية وإلى ضعف الخدمات الأساسية وتآكل البنى المعيشية وهو ما يستدعي مقاربة سياسية شاملة تتجاوز إدارة الواقع القائم إلى العمل على تغييره بشكل تدريجي ومدروس.
سياسياً لا يزال المسار التفاوضي يواجه عقبات ملموسة في ظل تباين مواقف الأطراف المعنية وتعقد المشهدين الإقليمي والدولي المحيطين بالملف السوري ومع ذلك يبقى استمرار الحوار رغم بطئه وتعثره الخيار الأكثر واقعية لتجنب العودة إلى دوامات عدم الاستقرار و منع تجدد الأزمات بأشكال جديدة.
إقليمياً تسجل محاولات لإعادة سوريا إلى محيطها العربي وهي خطوات يمكن التعامل معها بإيجابية حذرة شرط أن تندرج ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى دعم الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لأي تسوية سياسية مستقبلية بما يحفظ سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها ويحد من التدخلات الخارجية.
أما على المستوى الدولي فإن الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق دعم الحل السياسي يتطلب إرادة جماعية توازن بين الاعتبارات الإنسانية والمصالح السياسية وتضع مصلحة الشعب السوري في صدارة الأولويات بعيداً عن سياسات الضغط التي أثبتت محدودية جدواها على المدى الطويل وزادت في كثير من الأحيان من الأعباء الإنسانية دون أن تحدث اختراقاً سياسياً .
إن الاستقرار الحقيقي في سوريا لا ينفصل عن الإصلاح التدريجي والحوار الوطني الجامع ولا يمكن تحقيقه دون إشراك السوريين أنفسهم في رسم مستقبل بلادهم ضمن إطار ديمقراطي تعددي يحترم القانون ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع ويمهد لعودة آمنة وكريمة للاجئين وتنشيط عجلة الاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر صلابة.
تقف سوريا اليوم أمام لحظة دقيقة إما الاكتفاء بتثبيت استقرار هش قابل للتآكل مع أي متغير داخلي أو خارجي أو الاستثمار في مسار سياسي واقعي ومتدرج يفتح الباب أمام تعافٍ طويل الأمد يخدم الدولة والمجتمع معاً.
بقلم : أ. محمد موصللي / عضو المكتب السياسي.
2 شباط 2026م




