قلم حر

الإنسان بين العصور سيرة الظلم الطويلة وعدالة لم تكتمل

حماة –
منذ فجر التاريخ حين خطا الإنسان أولى خطواته على هذه الأرض لم تكن الحياة وادعة ولا العلاقات متوازنة سادت شريعة القوة وحكم الأقوى وغابت العدالة خلف أسوار السيوف والعروش في العصور القديمة كان الظلم نظاماً غير مكتوب والفوضى قانوناً سائداً والضعيف مجرد رقم في سجل المنتصرين كانت السلطة تُنتزع بالقوة وتُحفظ بالدم ويبرر الجور باسم الآلهة أو النسب أو التفويض المقدس .

ومع تعاقب الحضارات وسقوط الإمبراطوريات كان الأمل يتجدد بأن تتعلم البشرية من مآسيها وأن يتحول التاريخ من ساحة صراع إلى مدرسة وعي لكن المدهش والمؤلم معاً أن الظلم لم يكن حادثاً عابراً بل ميراثاً ثقيلاً توارثته العصور كأنه لعنة ترفض الانكسار حيث تغيرت الأسماء وتبدّلت الرايات لكن الجوهر بقي واحداً “سلطة بلا مساءلة وقوة بلا عدالة وحكم يقوم على الإخضاع لا على الإنصاف”.

في عصرنا الحديث حيث بلغت الإنسانية ذروة التقدم العلمي والتقني كان يُفترض أن تتراجع الفوضى ويعلو شأن القانون غير أن الواقع يكشف مفارقة قاسية وهي ان العدالة ما تزال مفقودة في أجزاء واسعة من العالم والقانون يُطوَّع لخدمة الحاكم لا لحماية المحكوم جَوْرُ الحكّام وأطماعهم بالملك والسلطة حوّل الدولة في كثير من الأحيان إلى أداة قمع والإنسان إلى ضحية دائمة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

ورغم ذلك لم تُترك البشرية دون هداية فقد أرسل الله الرسل والأنبياء رسالةً بعد رسالة ليوقظ في الإنسان ضميره الحر ويذكّره بأن القوة بلا أخلاق خراب وأن الإنسان أخو الإنسان في الإنسانية قبل أي انتماء آخر جاءت الرسالات السماوية لتُهذّب النفس وتحيّد الشر وتزرع قيم العدل والرحمة والتسامح ولتقول بوضوح “إن جوهر الإنسان ليس في بطشه بل في قدرته على العدل”.

لكن وعلى الرغم من هذا النور المتكرر لا يزال كثير من البشر يتجردون من إنسانيتهم طواعية يغوصون في براثن الشر العميق حتى يتحولوا إلى مسوخ أخلاقية هيكل إنسان من الخارج وداخل تعصف به شياطين الطمع والكراهية والدم يرفعون شعارات الحق ويمارسون أبشع أشكال الظلم ويبررون القتل والقهر باسم السياسة أو الدين أو المصلحة العليا.

إن مأساة الإنسان الكبرى ليست في غياب القوانين ولا في فشل الحضارات بل في هذا الصراع الدائم داخل روحه بين الضمير والهوى بين رسالة السماء ونزعة السيطرة فالتاريخ مهما طال لن يكون شاهداً على عدالة حقيقية ما لم ينتصر الإنسان أولاً على شره الداخلي ويعيد اكتشاف إنسانيته المفقودة.

فالعدالة ليست نصوصاً تُكتب ولا أنظمة تُعلن بل سلوكاً يُمارس وضميراً حياً لا يخضع لسطوة القوة وما لم يدرك الإنسان ذلك ستبقى العصور قديمة كانت أم حديثة مجرد فصول مختلفة في كتاب واحد عنوانه “الظلم المتجدد والعدالة المؤجلة”.

بقلم: حيدر حمدان/ عضو المكتب السياسي .
31 كانون الثاني 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى