المواطنة كركيزة لبناء سوريا المستقبل: رؤية دستورية وقانونية.

مبدأ المواطنة مطلب جوهري للشعب السوري، بهدف بناء دولة تعددية ديمقراطية لا مركزية، تتجسد فيها هذه المبادئ عملياً وفعلياً.
أولاً: مفهوم المواطنة من المنظور الدستوري
تُعد المواطنة أحد المبادئ الأساسية لبناء سوريا تعددية ديمقراطية لا مركزية، حيث يكون المواطن السوري هو الركيزة الأولى والأساس في هذا البناء.
ثانياً: الأهداف الدستورية لمبدأ المواطنة
تهدف المواطنة دستورياً إلى تحقيق المساواة التامة والعملية بين جميع أبناء الوطن الواحد، بغض النظر عن العرق، الجنس، الدين، المذهب، أو المعتقد. تشمل هذه المساواة كافة مجالات الحياة دون أي تمييز.
ثالثاً: تعريف المواطنة من الناحية الدستورية
تُعرّف المواطنة بأنها وحدة الانتماء والولاء من قبل جميع مكونات المجتمع السوري الذي يضمهم ويحتضنهم، وذلك على اختلاف تنوعهم الجنسي، العرقي، الديني، المذهبي، أو المعتقدي.
رابعاً: الجوانب النظرية للمواطنة
تشمل المواطنة من الناحية النظرية ثلاثة جوانب متكاملة:
* الجانب القانوني: يتعلق بالعلاقة القانونية للفرد بالدولة، والمحددة بقانون الجنسية، حيث تمنح الدولة جنسيتها للأفراد وفقاً للقوانين المنظمة.
* الجانب السياسي: يشير إلى مجموعة من الحقوق والحريات والواجبات. للمواطنين الحق في الاستفادة المتساوية من كافة الخدمات التي تقدمها الدولة، تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص. كما يحق لهم ممارسة كافة الحقوق السياسية كتشكيل الأحزاب، الانتخاب، والترشح، وعليهم بالمقابل واجب أداء الخدمات تجاه الدولة والدفاع عنها. يرتبط هذا الجانب ارتباطاً وثيقاً بمشاركة المواطن في الحياة العامة بجميع أشكالها.
* الجانب المعنوي والعاطفي: يرتبط بحب الوطن، وهو سلوك فعلي وشعور وممارسة ووفاء. يعكس هذا الجانب الانتماء الوجداني للوطن من خلال اللغة، التاريخ المشترك، الثقافة، والتآخي، وغيرها من رموز الهوية السورية.
يجب أن ترتبط هذه الجوانب الثلاثة لمبدأ المواطنة ارتباطاً وثيقاً بظهور الدولة الوطنية الحديثة، التعددية، الديمقراطية، واللامركزية.
خامساً: المواطنة في معناها القانوني
تُشير المواطنة في معناها القانوني إلى أحد الأركان الرئيسية في الدولة الحديثة، وهو الشعب الذي يمارس مؤسسات الدولة ويخضع لقوانينها. تمثل المواطنة ارتباطاً وثيقاً بين المواطن والدولة، وترتب عليهما مجموعة من الحقوق والواجبات العامة، أهمها:
* حق المواطنين في اختيار حكامهم: بناءً على قوانين انتخابية تمثيلية نسبية دورية، حرة، نزيهة، وديمقراطية.
* الدور الرئيسي للمواطنين في الرقابة: يتم ذلك من خلال المؤسسات التمثيلية المنتخبة، والرأي العام، ومؤسسات المجتمع المدني.
من هنا، ينشأ الارتباط الوثيق بين مبدأ المواطنة ومبدأ تكافؤ الفرص والحقوق المتساوية. كما يرتبط هذا المبدأ بالنظام التعددي الديمقراطي اللامركزي.
وتجدر الإشارة إلى أن لا مواطنة حقيقية بدون المساواة التامة الفعلية والعملية في الحقوق والواجبات بين جميع أبناء الوطن الواحد، بغض النظر عن العرق، الجنس، الدين، المذهب، أو المعتقد. بالمقابل، فإن ممارسة مبدأ وحقوق المواطنة المتساوية لا تتحقق إلا بتطبيق نظام سياسي تعددي ديمقراطي لا مركزي.
المواطنة والديمقراطية اللامركزية: وجهان لعملة واحدة
إن المواطنة والتعددية الديمقراطية اللامركزية هما وجهان لعملة واحدة. تتطلب ممارسة حقوق المواطنة مناخاً تعددياً ديمقراطياً لا مركزياً ونزيهاً. وبنفس المنطق، فإن ممارسة الحقوق والحريات تتطلب ترسيخ قيم المواطنة أولاً، ودعم مشاعر الولاء والانتماء للوطن ثانياً. على هذا الأساس، تصبح حقوق المواطنة هي المرتكز الأساسي لكافة الحقوق، لأن شيوع ثقافة المواطنة يؤكد ثقافة التعددية الديمقراطية اللامركزية من جهة، والحقوق المتساوية من جهة أخرى، وينطلق منها ممارسات فعلية وعملية تضمن تطبيق حقوق المواطنة وحريتها.
سوريا المستقبل: وطن التسامح والتنوع
إن بناء سوريا المستقبل، سوريا الأمن والأمان والسلام، يجب أن يكون وطناً للتسامح والتنوع والتعدد، يمنح كل ذي حق حقه. هو وطن لجميع السوريين لأن الجميع أبناء سوريا، وسوريا فوق الجميع. وطن يقوم على الاعتراف بالآخر، بلغته وثقافته، وعلى التسامح والتآخي والعيش المشترك والتعدد والتنوع لكافة أبناء المجتمع بجميع شرائحه ومكوناته.
أملنا وهدفنا أن يتحول مبدأ المواطنة نظرياً إلى نص دستوري حي يلمسه جميع المواطنين في حياتهم اليومية عملياً وفعلياً في كافة مناحي الحياة، وعلى كافة أرجاء جغرافية سوريا المستقبلية.
ملاحظات هامة:
* لا ديمقراطية بدون الأخلاقية والإنسانية التي تحمي وتحافظ وترعى كافة القيم والأخلاق والمبادئ المجتمعية والإنسانية، وتدافع عن كافة الأعراق والأديان والمذاهب والمعتقدات.
* لا ديمقراطية فعلية عملية حقيقية بدون تطبيق التعددية الأخلاقية الإنسانية.
* لا تعددية ديمقراطية لا مركزية أخلاقية إنسانية بدون وجود أحزاب سياسية تعددية ديمقراطية مؤسساتية واقعية وفعالة، تضع الانتماء الوطني فوق الانتماء السياسي الحزبي لخدمة الشعب والوطن.
* لا فائدة من وضع خطط لبناء مستقبل الوطن بدون شعب منظم ومؤهل أخلاقياً وإنسانياً وتعددياً ومؤسساتياً وديمقراطياً.
* لا تتحقق العدالة والمساواة الفعلية والعملية الحقيقية إلا بوضع دستور تعددي مؤسساتي ديمقراطي أخلاقي إنساني لا مركزي، بدلاً من الدسترة الدولاتية. فمصطلح الديمقراطية المجردة هو كلمة مطاطية يمكن للأنظمة استغلالها والتستر بها.
بقلم المحامي: علاء الدين الخالد كالو
الجمعة 18 تموز 2025




