من التعليم إلى الزراعة: التجربة والوعي أساس النهضة المجتمعية

في مجتمعاتنا، تختلف تخصصات الأفراد وتتعدد مجالاتهم، لكن ما يمنح هذه التخصصات قيمتها الحقيقية هو الخبرة المتراكمة والوعي الناتج عن التجربة. فالمعارف المجردة وحدها لا تكفي، إذ أن الفهم العميق والإتقان العملي لا يأتيان من الكتب والنظريات فقط، بل من سنوات العمل والمحاولة والخطأ، ومن القدرة على إعمال الفكر وتطبيق ما تعلمناه في الواقع، سواء في المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو العلمية أو غيرها.
أنا مواطنة درست اللغة الإنجليزية وتخرجت في فترة زمنية مليئة بالتحديات سنوات من الحرب القاسية التي خيّمت على بلدي وأثّرت في تفاصيل الحياة كافة ورغم ذلك، كانت تلك المرحلة بالنسبة لي رحلة حافلة بالتعلم والعمل واكتساب الخبرات لم تكن اللغة وحدها ما تعلمته، بل أدركت خلالها أن الإنسان قادر على إعادة اكتشاف نفسه وميوله في أي لحظة من العمر، إذا ما أمعن التفكير في تجاربه وأحلامه القديمة.
لطالما كانت الزراعة جزءاً من طفولتي؛ نشأتُ في مزرعة عائلتنا، وتعلّقت بكل تفاصيلها من ريّ وتشجير وقطاف ورغم أنني اتجهت أكاديمياً نحو التعليم، إلا أنني مؤخراً شعرت بنداء داخلي يعيدني إلى الجذور… إلى التراب والنبات وجدت في الزراعة شغفاً حقيقياً، وشاركت بعدد من مشاريع التشجير خلال سنوات الحرب، إيماناً مني بأهمية هذا العمل في ترميم العلاقة بين الإنسان وأرضه.
هذه القناعة لم تأتِ من فراغ، بل من وعي عميق بأن التخصص النظري لا يجب أن يقيد طموحاتنا، وأنه بإمكاننا – بفضل التجربة والوعي – أن نُبدع في مجالات جديدة طالما امتلكنا الشغف والمعرفة وهذا ما أثبته كبار العلماء والمفكرين في التاريخ، الذين لم يتوقفوا عند تخصص واحد، بل مزجوا بين الفكرة والتجربة ليقدّموا اختراعات وتطبيقات غيّرت وجه العالم.
اليوم، يواجه العالم تحديات كبرى، من الاحتباس الحراري إلى نقص المياه وتهديد الأمن الغذائي وهنا تبرز أهمية الزراعة، لا باعتبارها قطاعاً إنتاجياً فحسب، بل كركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في بلد مثل سوريا، الذي يعتمد على الزراعة كمورد استراتيجي.
ومن هذا المنطلق، لا بد من العمل على مشروعات تنموية مستدامة، تبدأ بأبسط الخطوات، كإعادة تشجير المساحات الخضراء التي تضررت بفعل الحرائق، وتطوير أساليب الزراعة لتواكب التغيرات المناخية. هذه المشاريع لا يمكن أن تنجح إلا بتضافر الجهود، حيث تتعاون الدولة والمجتمع المدني جنباً إلى جنب في بناء بنية تحتية زراعية قوية، وتوفير ميزانيات ملائمة وخطط تنفيذية واضحة.
ويأتي هنا دور الأحزاب الوطنية، بما تمثله من شرائح مجتمعية متنوعة، للعمل الجاد في هذا القطاع الحيوي. فالحزب الذي يحمل هموم الناس، لا بد أن يكون حاضراً في الميدان الزراعي، مساهماً في تطويره ورعاية المبادرات المحلية فيه، ليرتقي بالواقع ويواكب حاجات المواطن ومتطلبات المرحلة.
إن الزراعة اليوم لم تعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية، وهي في الوقت ذاته مساحة خصبة لإعادة بناء الإنسان وتوطيد العلاقة مع الأرض… علاقة تعلّمتها وأنا طفلة، وأدركت قيمتها وأنا ناضجة، وما زلت أحمل لها الكثير من الأحلام.
بقلم: عبير إبراهيم.
الجمعة ٨ آغسطس ٢٠٢٥م.




