السلم الأهلي مفتاح الخلاص الوطني.

– السلم الأهلي ضرورة فلسفية ودينية ومجتمعية للخروج من مستنقع النزاعات الطائفية
في خضمّ الصراعات التي عصفت بسوريا خلال العقد الأخير، برز السلم الأهلي كقيمة مغيّبة رغم كونه الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني جامع فالنزاعات الطائفية، التي أُجّجت بوعي أو بغير وعي، ليست سوى عَرَض لمرضٍ أعمق: تآكل الشعور بالمواطنة والانجراف خلف الهويات الفرعية الضيقة على حساب الهوية السورية الجامعة.
من هنا، فإن الدعوة إلى إعادة بناء السلم الأهلي ليست مجرد نداء عاطفي، بل هي ضرورة فلسفية، دينية، ومجتمعية، تمثّل الطريق الوحيد نحو “سوريا الجديدة” التي نحلم بها جميعًا.
* الطائفية كأداة تمزيق لا تعبير عن تنوّع:
من منظور فلسفي، ليست الطائفية تعبيراً عن التعدد، بل تشويها له فالفيلسوف “جون رولز”، حين تحدّث عن “العدالة كإنصاف”، أكّد أن النظام العادل هو الذي يفسح المجال لاختلاف الهويات والانتماءات، دون أن تتحوّل هذه الاختلافات إلى أسباب للتمييز أو الصراع. وفي الحالة السورية، تحوّل التنوع المذهبي والديني – الذي يُفترض أن يكون مصدر غنى – إلى مصدر خوف وتفكك، حين أصبحت الطائفة ملاذًا سياسيًا وأداة للسلطة، لا مكونًا ثقافيًا في النسيج الوطني.
* الدين: دعوة إلى السلام لا إلى الخصام:
أما من الزاوية الدينية، فإن جميع الأديان السماوية تدعو إلى السلام والتسامح، وتُحرّم سفك الدماء. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
“مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً” (المائدة: 32)
ويقول السيد المسيح:
“طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون” (متى 5: 9)
هذه النصوص تُبيّن بوضوح أن جوهر الدين لا يشرعن العنف الطائفي، بل يرفضه، ويدعو إلى بناء جسور المحبة والرحمة بين البشر، لا حواجز الكراهية والخوف.
* خطاب الكراهية: سرطان ينخر المجتمع
من أبرز العوائق أمام استعادة السلم الأهلي هو خطاب الكراهية، الذي بات يتغلغل في الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا في بعض الخطب الدينية والسياسية. هذا الخطاب يغذّي الخوف، ويكرّس الصور النمطية، ويزرع بذور الانتقام.
إن أي مشروع لبناء سوريا جديدة لا يمكن أن ينهض دون اجتثاث هذا الخطاب وتجفيف منابعه، من خلال التعليم والإعلام والتوعية المجتمعية.
* نحو عقد اجتماعي جديد :
المجتمع السوري بحاجة ماسة إلى عقد اجتماعي جديد، لا يقوم على المحاصصة الطائفية أو الولاءات المناطقية، بل على أساس المواطنة المتساوية.
يتطلب هذا العقد إصلاحًا جذريًا في بنية الدولة، لكنه يحتاج أولاً إلى تحول عميق في الوعي المجتمعي. علينا أن نربّي أبناءنا على أن “الآخر” ليس خصماً، وأن الاختلاف لا يعني التهديد، وأن لكل مواطن سوري، أياً كانت طائفته، الحق في العيش بكرامة وعدالة.
* سوريا الجديدة: حلم لا يتحقق إلا بالسلام
سوريا الجديدة ليست مجرد خريطة تُعاد صياغتها، بل هي رؤية أخلاقية واجتماعية وسياسية، تتطلب تجاوز جراح الماضي دون إنكارها، وتستوجب بناء ثقة مهدورة بين أبناء الوطن الواحد.
لا يمكن تحقيق ذلك عبر الثأر أو الإقصاء، بل عبر المصالحة والاعتراف المتبادل، وبإرادة وطنية جامعة ترفض تحويل التنوع إلى لعنة، وترى فيه ثروة وطنية تستحق الحماية.
في عالم بات فيه الانقسام أمراً سهلاً، تصبح مهمة الساعي إلى السلام مهمة نبيلة وشاقة. فلنُخرج سوريا من دوّامة الكراهية إلى أفق التسامح، ولنَبْنِ وطناً تتسع فيه القلوب قبل البيوت.
فالسلم الأهلي ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية وخلاص جماعي نحتاجه جميعاً كي ننهض من رماد الحرب ونستعيد وطناً يستحق الحياة.
بقلم: يحيى محمود
السبت ٣١-٥-٢٠٢٥م




