السلام والأمان: أساس الحضارة وشرط الإزدهار

يُمثّل السلام أحد أكثر القيم النبيلة التي سعت البشرية إليها على مدار التاريخ، ليس فقط بوصفه غاية إنسانية تسعى الشعوب إلى تحقيقها، بل كونه أساسًا لا غنى عنه لتحقيق التنمية الشاملة، وبناء المجتمعات المزدهرة، وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة فبدون السلام، تغيب الطمأنينة، ويغيب معها الأمل، وينهار أي مشروع نهضوي مهما بلغت قوته أو ثراؤه.
إنّ المجتمع الذي يسوده السلام، هو مجتمع تُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُحترم فيه الحقوق، ويعيش فيه الأفراد في ظل القانون لا سطوة السلاح، وتُتاح فيه الفرص المتكافئة للنمو والتقدّم. فالأمان ليس مجرد غياب للحروب، بل هو حالة شاملة من الاستقرار النفسي والاجتماعي والسياسي، تؤسس لثقافة تحترم الآخر، وتنبذ الكراهية والتطرّف والعنف.
وإذا تأملنا اليوم في واقع العالم، سنجد أنّ الحاجة إلى السلام باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى فالتوترات السياسية، والنزاعات المسلحة، والتغيرات المناخية، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، كلّها تُنذر بتحديات كبيرة لا يمكن تجاوزها دون تكاتف دولي حقيقي، ينطلق من وعي جماعي بأهمية ترسيخ السلام كضرورة استراتيجية لا كخيار مؤقت.
من السلام إلى التنمية: العلاقة العضوية
لا يمكن الحديث عن التنمية المستدامة دون وجود سلام حقيقي. فكلّ تجربة إنسانية ناجحة في أي دولة من دول العالم، بدأت بتحقيق حالة من الأمن والاستقرار، سمحت بتوجيه الجهود نحو بناء المؤسسات، والنهوض بالتعليم، وتطوير البنى التحتية، وتحفيز الاستثمارات، ومكافحة الفقر والبطالة.
فالسلام ليس شعاراً نردّده في المحافل الدولية، بل هو شرط حقيقي للنهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفي المقابل، فإنّ غياب السلام يُفضي إلى تفكك المجتمعات، وانتشار الفوضى، وحرمان الأفراد من أبسط حقوقهم، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على نوعية الحياة.
ولهذا، فإنّ الاستثمار في السلام ينبغي أن يُنظر إليه كأولوية وطنية ودولية، تبدأ من إشاعة ثقافة الحوار والتسامح، وصولًا إلى سياسات تعليمية وصحية واجتماعية تعزز التماسك الداخلي وتدعم قدرة المجتمعات على مقاومة الانقسام.
الحريات الخمس: مفاتيح الاستقرار الإنساني
ولعلّ أبرز ما يُسهم في ترسيخ السلام وتحقيق الأمان الشامل، هو ضمان مجموعة من الحريات الأساسية التي تُعتبر حجر الأساس في بناء أي مجتمع حر ومزدهر هذه الحريات يمكن تلخيصها في خمسة محاور مركزية:
1. حرية التعبير: وهي الحق في الحديث، والنقد، والتعبير عن الرأي بحرية دون خوف من قمع أو اضطهاد، ما يُعزز الإبداع ويدفع باتجاه مجتمعات أكثر وعياً وانفتاحاً.
2. حرية الدين والمعتقد: لأنّ لكل إنسان الحق في اختيار معتقده وممارسة شعائره دون تدخل أو فرض أو تمييز، وهي ركيزة للتعايش بين الثقافات والطوائف.
3. التحرر من الفقر والعوز: إذ لا يمكن لإنسان جائع أن يشعر بالأمان، ولا يمكن لمجتمعٍ فقير أن ينهض، وبالتالي فإنّ العدالة الاقتصادية ضرورة لتحقيق السلام.
4. الحرية البيئية: فالعيش في بيئة نظيفة، آمنة، ومستقرة مناخياً، هو حقٌ إنساني، وأحد الشروط الضرورية للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي.
5. التحرر من الخوف: أن يعيش الإنسان في مأمن من العنف، والاضطهاد، والجريمة، والخطر، هو أساس السلام النفسي والاجتماعي.
إنّ هذه الحريات الخمس ليست رفاهية، بل هي متطلبات أساسية تُمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا في مجتمعه، قادرًا على التفكير والإبداع، والمشاركة في الحياة العامة دون قلق أو تهديد.
السلام يبدأ من الداخل
كثيراً ما نربط مفهوم السلام بالنظام السياسي والعلاقات الدولية، لكن السلام الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان، من قدرته على التصالح مع ذاته، واحترام غيره، ونبذ الكراهية، وتقبّل الاختلاف فالمجتمع المسالم هو الذي يُربّى فيه الأطفال على قيم المحبة، وتُدرّس فيه ثقافة الحوار في المدارس، وتُمارس فيه العدالة في القضاء، وتُكفل فيه الحقوق في الإعلام.
السلام ليس غياب الصراع فقط، بل وجود العدالة. ليس مجرد تهدئة للسلاح، بل بناء للثقة وليس اتفاقاً بين الحكومات، بل عهدٌ مجتمعي على العيش المشترك.
ختاماً:
إنّنا في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه التحديات، بحاجة ماسّة إلى إعادة إحياء ثقافة السلام، وتعزيز مفاهيم الأمان بوصفها ضرورة لا ترفاً فبقدر ما نُؤمن بالحريات الأساسية، ونسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، ونُكرّس مبدأ التعايش، بقدر ما نقترب من عالمٍ أكثر استقرارًا وإنسانية.
إنّ بناء السلام هو مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة، مروراً بالمجتمع المدني، والمؤسسات التربوية، والثقافية، والإعلامية. فكلّ جهد يُبذل في هذا الاتجاه، هو خطوة نحو عالم أفضل، ينعم فيه الإنسان بحياة كريمة تستحق أن تُعاش.
بقلم: قصي الخليل
الثلاثاء ٥ أغسطس ٢٠٢٥م




