قلم حر

لغة التسامح والوعي المجتمعي

التسامح ليس خياراً  ثانوياً في حياة المجتمعات بل هو ضرورة وجودية تضمن بقاءها واستمرارها ففي عالمٍ تتشابكفيه المصالح وتتعدد فيه الهويات والانتماءات يصبح غياب التسامح شرارةً أولى لكل نزاع وبوابةً واسعةً تتسلل منهاالأحقاد والضغائن وما نراه اليوم في كثير من مجتمعاتنا ليس إلا نتيجة تراكمات طويلة من سوء الفهم والتعصبوانعدام الوعي المجتمعي الذي يُفترض أن يكون صمام الأمان في وجه الانقسام.

إن التسامح لا يعني الضعف أو التنازل عن الحقوق بل هو سلوك راقٍ يعكس قوة النفس ونضج العقل فعندما يختارالإنسان أن يتسامح فإنه لا يُنهي خلافًا فحسب بل يبني جسراً من الثقة ويفتح باباً للحوار ويمنح الآخر فرصة للعودةإلى إنسانيته ومن هنا فإن لجوء أحد الأطراف إلى التسامح في لحظة تصادم قد يكون كفيلًا بإطفاء نارٍ كانت ستلتهممجتمعاً بأكمله.

أما الوعي المجتمعي فهو الركيزة التي يقوم عليها هذا السلوك فالمجتمع الواعي يدرك أن الاختلاف سنة من سننالحياة وأن التنوع ليس تهديداً بل مصدر غنى الوعي يجعل الإنسان يرى الآخر شريكاً في الوطن لا خصماً في معركةويُعلمه أن كرامته لا تكتمل إلا بكرامة غيره وأن أمنه مرتبط بأمن من حوله.

المنزل هو اللبنة الأولى في بناء هذا الوعي ففيه يتعلم الإنسان معنى الاحترام وقيمة المحبة وأهمية التعايش فإذانشأ الطفل في بيتٍ يسوده التسامح فإنه يكبر وهو يحمل هذه القيم إلى الشارع ثم إلى المجتمع ثم إلى الوطنوهكذا يتحول الوطن إلى بيتٍ كبير يجمع أبناءه على المحبة لا على الفرقة محبة الجار واحترام ابن الوطن والتعاملمع كل إنسان على أنه شريك في الأرض والإنسانية هي الأسس التي تُبنى عليها الأوطان المستقرة غير أن الخلاف لميبدأ فجأة بل نشأ من انغماس الإنسان في شهواته الترابية تلك الشهوات التي تربطه بالماديات وتُبعده عن جوهرهالإنساني فعندما يُغلب الإنسان مصالحه الضيقة ويسعى للسيطرة والتملك دون اعتبار للآخر تبدأ بذور الصدامبالتشكل ومع تراكم هذه النزعات تتحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات كبيرة وقد تتطور إلى نزاعات تهدد كيانالمجتمعات.

إن العودة إلى التسامح ليست مجرد دعوة أخلاقية بل هي ضرورة حضارية والوعي المجتمعي ليس ترفاً فكرياً بل هوشرط أساسي لبناء وطنٍ متماسك فحين يتصالح الإنسان مع نفسه ويتسامح مع غيره ويعي دورهُ في مجتمعه يصبحجزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.

في النهاية لا يمكن لوطن أن يُبنى بالكراهية

ولا لمجتمع أن يستقر بالصراع إنما تُبنى البيوت بالمحبة وتُصان الأوطان بالتسامح ويُحفظ الإنسان بوعيه فليكنالتسامح نهجنا والوعي طريقنا لنصنع مستقبلًا يليق بإنسانيتنا.

بقلم :أ.حيدر حمدان / عضو المكتب السياسي

21 آذار 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى