قلم حر

وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في نشر الإشاعات

بين المعرفة والتلاعب بالوعي

لا يمكن اتهام العلوم بخيانة البشرية بسبب إساءة استخدام منجزاتها فالفيزياء والرياضيات رغم دورهما في تطوير أسلحة فتاكة تبقيان من أعمدة التقدم الإنساني كما لا يمكن إدانة علم النفس ولا سيما علم النفس الاجتماعي رغم استغلاله من قبل بعض اللاعبين في السياسات الدولية للتلاعب بوعي الشعوب وتوجيهها بما يخدم مصالح بعيدة عن حقوقها وأوطانها وعلى المنوال ذاته لا يمكن الهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مطلق، رغم استخدامها الواسع في كيّ الوعي ونشر الإشاعات.

لقد شكلت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل ثورة معرفية هائلة إذ أتاحت الوصول إلى مصادر علمية ومعرفية كان الحصول عليها في السابق شبه مستحيل فقد وفّرت مئات المراجع الأكاديمية والكتب الرقمية وربطت أكثر من ملياري إنسان حول العالم محوّلة العالم إلى قرية صغيرة غير أن هذه الإيجابيات لا تلغي حقيقة أن هذه الوسائل تحولت في العقود الأخيرة إلى أدوات فاعلة في صراعات من نوع جديد.

تشير الدراسات الفكرية والسياسية إلى أن أخطر ساحات الصراع التي اخترقتها الإمبريالية العالمية هي منطقة اللاشعور حيث جرى توظيف منجزات علم النفس والتحليل النفسي للتأثير في وعي المجتمعات وتحويل شرائح من شعوب الدول المستهدفة إلى أدوات تعمل ضد أوطانها سواء عبر حمل السلاح أو من خلال الترويج الإعلامي المجاني غالباً بحسن نية عبر تضليل المفاهيم ودسّ السم في الدسم.

يندرج هذا الأسلوب ضمن ما يُعرف بـ حروب الجيل الرابع أو حروب ما بعد الحداثة وهي حروب لا تعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة بل تستخدم الأدوات التكنولوجية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية لإجبار الدول على التخلي عن سياساتها الاستراتيجية في هذا النوع من الحروب يصبح العدو غير مرئي، ويغدو الإعلام والمعلومة سلاح الحسم الأساسي.

في هذا السياق، استُخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لتكريس ما سمي بـ “الثقافة الجماهيرية” حيث جرى تسليع الثقافة وإفراغها من محتواها الحقيقي وإنتاج ما يمكن وصفه بـ وهم المعرفة فأصبحت الصفحات الإلكترونية تعجّ بالمحللين السياسيين والعسكريين والشعراء دون امتلاك أدوات معرفية حقيقية. كما تعرضت اللغة لتشويه عميق بحجة التحرر من “ديكتاتورية اللغة” ما أسهم في إضعاف التفكير النقدي وخلق لغة هجينة منفصلة عن قواعدها ومعانيها.

تُعد فلسفة ما بعد الحداثة المرجعية الفكرية لهذا التحول إذ تقوم على رفض الحقيقة المطلقة وتؤكد أن الواقع يُبنى عبر الخطاب واللغة وفي هذا الإطار تتحرر العلامات اللغوية من مدلولاتها الثابتة وتتحول الحقيقة إلى وجهة نظر الأمر الذي يفتح الباب أمام نسبية المعنى ويُضعف الثقة بالتاريخ والرموز والسرديات الكبرى.

ويشير الكاتب الروسي سيرجي قره-مورزا في كتابه “التلاعب بالوعي” إلى أن هذا النمط من التلاعب يهدف إلى تفكيك المنظومات المستقرة عبر فصل الدال عن المدلول وتحويل اللغة إلى أداة هيمنة سلعية واستثمار الصورة والمشاعر والخوف والأساطير وصولاً إلى خلق “مجتمع المسرحية” الذي يُلهي الجماهير عن القضايا الجوهرية ويُدمّر الذاكرة التاريخية.

ومن أخطر الأسس التي تقوم عليها هذه الثقافة:
• فصل الكلمات عن معانيها.
• تعطيل العقل النقدي واستبداله بالخرافة.
• تشويه التاريخ وتفريغه من عمقه.
• قتل الرموز الوطنية والدينية.
• تفكيك الهوية الفردية والجماعية.
• نشر الفوضى المعرفية على حساب النظام والنسق.

وتبرز الإشاعة كأداة مركزية في هذا المسار إذ تتميز وسائل التواصل بسرعة هائلة في نقل الأخبار دون تحقق ما يسهم في تأجيج الفتن وضرب الثقة داخل المجتمع الواحد وغالباً ما يشارك في ترويج هذه الإشاعات أفراد ذوو نوايا حسنة دون إدراكهم لخطورة ما يفعلون فيقعون في فخ التشكيك بالرموز والهوية والتاريخ.

إن مواجهة هذا التلاعب لا تكون بالمنع أو القمع بل عبر بناء المناعة النفسية والفكرية من خلال تعزيز الوعي وتشجيع القراءة والمقارنة بين المصادر وتنمية التفكير النقدي كما أن تحصين الأبناء بالمعرفة والثقة والحوار أكثر جدوى من المنع والمراقبة لأن المنع يولد المقاومة بينما الوعي يصنع الحصانة.

في النهاية تبقى وسائل التواصل الاجتماعي أداة مزدوجة: إما وسيلة لبناء الإنسان وخدمة الوطن أو أداة هدم وتضليل والفيصل في ذلك هو وعي المستخدم وقدرته على التمييز والنقد.

بقلم : أ . أحمد سليمان الإبراهيم/ مستشار الأمانة العامة للتدريب وبناء القدرات المؤسسية والسياساتية.

22 كانون الأول 2025م

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى