الدعاوى الإقرارية في القانون السوري – دراسة تحليلية في المفهوم والتطبيقات العملية

أولاً – التمهيد:
تعد الدعاوى الإقرارية من التطبيقات العملية المستحدثة في البيئة القضائية السورية، رغم عدم ورود هذا المصطلح صراحة في أي نص تشريعي. وقد نشأت هذه التسمية اصطلاحاً في الممارسة القضائية والعقارية لوصف نوع من الدعاوى التي يتوافر فيها عنصر الرضا والإقرار المسبق من قبل المدعى عليه، بحيث لا يكون ثمة نزاع حقيقي بين الخصوم، بل رغبة مشتركة في توثيق اتفاق أو واقعةٍ معينة بموجب حكم قضائي مكتسب الدرجة القطعية.
ثانياً – تعريف الدعوى الإقرارية وطبيعتها القانونية:
يمكن تعريف الدعوى الإقرارية بأنها:
“الدعوى التي يقيمها أحد الأطراف، عادةً المشتري، على الطرف الآخر، غالباً البائع، بقصد تثبيت واقعة أو حق متفق عليه مسبقاً، بحيث يكون المدعى عليه على استعداد تام للإقرار بصحة ما ورد في الدعوى دون منازعة جوهرية.”
وتأخذ هذه الدعاوى طابعاً خاصاً من حيث الغاية والنتيجة، إذ لا تهدف إلى حسم نزاع، بل إلى تثبيت حق تم الاتفاق عليه فعلاً. ولذلك فهي ليست دعوى تقريرية محضة ولا تنفيذية، وإنما دعوى إثبات وتوثيق بقرار قضائي ذي قوة تنفيذية.
ويستفاد من المادة (1) من قانون أصول المحاكمات المدنية السوري أن لكل ذي مصلحة حق في اللجوء إلى القضاء لحماية حق أو مركز قانوني، وهو ما يشكل الأساس القانوني العام لقبول هذا النوع من الدعاوى، طالما تحقق شرط المصلحة القانونية.
كما أن الإقرار، وفق المادة (92) من القانون المدني السوري، يعد دليلاً ملزما قاطعاً على من صدر عنه، الأمر الذي يمنح الدعوى الإقرارية مشروعية قانونية قائمة على هذا الأصل.
ثالثاً – الإجراءات العملية للدعوى الإقرارية:
١- التوكيل:
تبدأ الدعوى بتنظيم وكالتين منفصلتين:
– وكالة المدعي (المشتري): لتقديم الدعوى والمطالبة بتثبيت الحق.
– وكالة المدعى عليه (البائع): لتقديم الإقرار بصحة الواقعة أو العقد أمام المحكمة.
ويحظر توكيل محام واحد عن الطرفين، عملاً بأحكام المادة 76 من قانون تنظيم مهنة المحاماة التي تمنع الجمع بين موكلين ذوي مصالح متعارضة.
ويفضل تنظيم وكالات خاصة تتضمن بوضوح:
– تفويضا صريحاً بالإقرار بصحة البيع أو الواقعة.
– تحديد موضوع الدعوى تحديداً دقيقاً (رقم العقار أو مواصفاته أو نوع المنقول).
– الإشارة إلى تفويض قبض الثمن أو الإبراء عند اللزوم.
وقد قضت محكمة النقض السورية في العديد من قراراتها بأن:
“الوكالة الخاصة يجب أن تُفسّر تفسيرا ضيقاً، ولا يجوز التوسع في مدلولها إلا بقدر ما تسمح به ألفاظها الصريحة.”
(نقض مدني رقم 124 لعام 2009 – أساس 315)
رابعاً – الغاية من الدعوى الإقرارية:
تهدف هذه الدعوى إلى الحصول على صك قضائي قطعي يثبت وجود الحق أو الواقعة المتفق عليها، بما يسمح:
– بوضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار في السجل العقاري.
– وتثبيت العلاقة القانونية بين المتعاقدين بصورة رسمية.
– وتجاوز بعض العقبات التنظيمية أو الإدارية التي قد تحول دون إجراء معاملة الفراغ فوراً، دون أن يُعدّ ذلك مخالفة للقانون طالما أن الإرادتين صحيحتان ومتطابقتان.
كما تستخدم أحياناً كوسيلة لحماية المتعاملين في ظل غياب مستندات مصرفية أو توثيق رسمي فوري، فتؤدي دورا مشابهاً لتسجيل العقود لدى الجهات الرسمية، ولكن عبر الطريق القضائي.
خامساً – الطبيعة القضائية للدعوى الإقرارية:
رغم كونها دعوى “شكلية” في الظاهر، إلا أن الحكم الصادر فيها يُعدّ حكماً قضائياً كاملاً من حيث الآثار، لأنه يصدر بعد تحقق المحكمة من صحة الإقرار وسلامة الإجراءات، مما يمنحه الحجية المقررة للأحكام القطعية.
وقد استقر الاجتهاد القضائي السوري على أن:
“الإقرار القضائي يغني المحكمة عن أي دليل آخر، ويكفي للحكم بثبوت الحق المقرّ به.”
(نقض مدني رقم 2515 لعام 2006 – أساس 2984)
سادساً – مقارنة وتمييز:
تشبه الدعوى الإقرارية من حيث الشكل دعوى تثبيت البيع، لكنها تختلف عنها من حيث الغاية:
– دعوى تثبيت البيع: تهدف لإثبات عقد البيع في حال الإنكار أو النزاع.
– الدعوى الإقرارية: تقوم أصلا على اتفاق وإقرار مسبق، دون نزاع.
أما دعوى صحة التوقيع فهي مختلفة تماما، إذ لا تثبت سوى صحة التوقيع لا صحة العقد.
* الخاتمة:
تعد الدعاوى الإقرارية تجسيداً لمرونة النظام القضائي السوري وقدرته على استيعاب الحلول العملية التي تلبي حاجات التعامل الواقعي دون الخروج عن الأصول القانونية.
وهي تمثل وسيلة توثيق قضائي فعالة تسهم في حماية الملكية وتثبيت الحقوق وتخفيف النزاعات المستقبلية، مما يجعلها أداة قانونية ذات أهمية خاصة في ميدان المعاملات العقارية والمدنية.
بقلم: المحامية هدى العقاد
المكتب القانوني ٣١-١٠-٢٠٢٥م




