النوروز .. شمسٌ لا تغيب

طرطوس| حينَ تعانقُ نارُ النوروز شموعَ السريان ُتشرق شمس النوروزِ كَشَمس ثانِيَةٍ في أُفُقِ الشرق حيث يتجاوزالزمن لِيَرْفَعَ راية التجدد
انه انخلاع زماني في لحظة يقرر فيها الإنسان أن يقف على حافة الفصول ليعلن تمرده على العدم ففي سوريا وفيأعماق المشرق لا يحتفلون ببدء الربيع بقدر ما يحتفلون بانتصار الضياء على “الظل” في معركة أزلية كُتبت أولىصفحاتها على ألواح طينية سومرية.
أسطورة الصراع: من “تموز” إلى “النوروز”
إذا غصنا في طبقات الذاكرة يُشرق عيدُ النوروزِ كَشَمْسٍ ثانِيَةٍ في أُفُقِ الشرق حيث يَتَجَاوَز الزَمَن لِيَرْفَعَ راية التجددبين الاَساطيرِ الْفَارِسِيَّةِ وَالْحَفْلَاتِ الْكُرْدِيَّةِ إِن نار “النوروز” ليست سوى استعادة مشهدية لصراع كوني قديم فيالأساطير حيث كان “تموز” (أو دوموزي) يموت في كل خريف ليُبعث في الربيع وكانت النساء يبكينه بلوحات تأبينحارة قبل أن يتحول البكاء إلى فرح عارم عند عودته “النوروز” هو ذروة ذلك الفرح لكن بصيغة شرقية لاحقة مزجتبين دمعة “عشتار” ونار “كاوة الحداد”.
في سوريا يتقاطع “النوروز” مع عيد “شباط” (15 شباط) المرتبط بالفلاحة وتفتح الأرض ومع “أحد الشعانين” الذييسبق الفصح المجيد حيث يدخل المسيح أورشليم حاملاً وعود الخصب هناك خيط غير مرئي يربط بين “نار النوروز”التي يقفز منها الأكراد والسريان وبين شموع عيد الأنوار” السرياني وبين بيض “عيد الفصح” الملون الذي يرمز للبعثكلها احتفالات بلغة واحدة: “الموت المؤقت للطبيعة وانتصار الحياة.
دلالة العيد: عبور الجمرة نحو الذات
ما يثير الدهشة أن النوروز في جوهره ليس احتفالا بالطبيعة بقدر ما هو احتفال بالـ”بالشجاعة فالأسطورة تقول إن“كاوا الحداد” خرج بمرجلته المطرقة ليحطم طغيان “الدهاك” الذي نبتت على كتفيه أفعوان هنا تكمن المفارقةالأدبية الجميلة: النوروز هو احتفال الإنسان العادي (الحداد) بأنه يستطيع أن يكون “نبياً” و”مخلّصاً”.
هذه الفكرة تتكرر في الموروث الشامي حين نقرأ في أدبنا الشعبي سيرة “عنترة” أو “أبو زيد الهلالي” نجد أن البطلالقادم من الهامش (الأسود، البدوي، المعدوم) هو من يعيد التوازن إلى العالم فالنوروز إذن هو “موسم الخروج عنالسائد” وهو ما جعله قادراً على الصمود رغم كل محاولات التهميش.“
ففي سوريا تحديداً في مناطق مثل “رأس العين” و”قامشلي” تتحول البيوت إلى قصائد هناك طقوس “العدس”الذي يُنبت على الصوف الأبيض قبل العيد بأسبوعين كأنهم يستعجلون الخضرة وهناك طقوس “القفز من فوق النار هي استعارة بصرية رائعةحين يقفز الإنسان فوق عنصر الدمار (النار) ليصل إلى الضفة الأخرى (الربيع)
ما يميز النوروز في سوريا هو قدرته على انتهاك الحدود إنه عيد “ما قبل الأديان” و”ما بعدها” تجده عند المسيحيينفي وادي النصارى (حيث يسمونه “عيد الصليب” أحياناً بربطه بالخصب)
وعند المسلمين في بعض التقاليد الصوفية وعند الإيزيديين والكلدان والسريان إنه الفطرة الجامحة التي ترفض أنتحبس في قوالب جامدة.
انه احتفال بفكرة انتصار “الأصل” على كل ما نسخ عنه فكما عاد “الحداد” ليقتل طاغيا كان يملك قوتين وهميتين(الكتفين والأفعوان) كذلك تعود الأرض كل عام لتقتل برد الشتاء وجفافه لتمنحنا الدف والخصب ويعود اليقينلينسف وهم الهزيمة والانكسار لدى مجتمعاتنا .
هكذا يتجاوز النوروز فِي سوريا حدود الْأَكْرَادِ لِيتعانق مع َ أعياد الأرض الشامية ناراً واحدة تضيء سوريا باكملها.
انه “الموعد السنوي” الذي يثبت أن الحياة تنتصر وأن كافة خيباتنا ورحلات نزوحنا ومذابحنا هي مراحل عابرة فيمسار متصل من الضوء واشتعال وهج الحقيقة.
بقلم : أ. سارة عباس – معاون الأمين العام / عضو المكتب السياسي .
22 آذار 2026م




