قلم حر

سوريا… مهد الحضارات وبوابة التاريخ الإنساني

تعد سوريا المعروفة تاريخياً باسم بلاد الشام واحدة من أقدم مناطق الاستيطان البشري في العالم ومسرحاً مركزياً لتشكل الحضارات الإنسانية والدينية والسياسية فمنذ آلاف السنين شكلت هذه الأرض نقطة التقاء القارات ومعبراً للتجارة وحاضنة للفكر والأسطورة والتشريع ولا تزال حتى اليوم تختزن إرثاً حضارياً استثنائياً أسهم في تشكيل تاريخ البشرية جمعاء.

* الموقع والمعلومات الأساسية:

تقع سوريا في شمال غرب قارة آسيا وتطل على البحر الأبيض المتوسط وتحدها تركيا شمالاً والعراق شرقاً والأردن جنوباً ولبنان وفلسطين غرباً.
• الاسم: سوريا
• العاصمة: دمشق
• اللغة الرسمية: العربية
• النظام السياسي: جمهوري
• عدد السكان: نحو (24)مليون نسمة
• عدد المحافظات: (14)محافظة
• العملة: الليرة السورية
• المساحة: (185,180)كم²
• الاستقلال: (17)نيسان/أبريل(1946)عن الانتداب الفرنسي

يمتد الساحل السوري على طول (183)كيلومتراً بينما تبلغ الحدود البرية نحو(2253)كيلومتراً
ما منح البلاد أهمية استراتيجية كبرى عبر التاريخ.

* سوريا قبل التاريخ وبدايات الحضارة:

أثبتت الاكتشافات الأثرية أن سوريا كانت موطناً للإنسان منذ عصور سحيقة فقد عثر في كهف الديدرية قرب حلب على هيكل عظمي لإنسان النياندرتال ما يؤكد وجود الإنسان البدائي في المنطقة وتشير الأدلة إلى أن الاستيطان البشري فيها يعود إلى أكثر من (8000)سنة قبل الميلاد.

وتعد حلب من أقدم المدن المأهولة في العالم إذ يعود تاريخ الاستقرار الحضري فيها إلى مئات آلاف السنين فيما شهدت سوريا نشوء حضارات مبكرة مثل إيبلا ماري أوغاريت وقطنا التي أسهمت في تطور الزراعة والكتابة والتنظيم السياسي.

* مهد الأسطورة والتشريع:

قدمت الحضارات السورية القديمة إسهامات فكرية ودينية كبرى إذ ظهرت على أرضها أقدم الأساطير المتعلقة بالخلق والبعث والطوفان مثل أساطير عشتار وتموز (دموزي) وإنكيدو في سعيه للخلود كما عثر في أوغاريت على أقدم نوتة موسيقية مكتوبة في التاريخ وعلى أبجدية تعد من أقدم أنظمة الحروف في العالم.

ومن هذه الجغرافيا أيضاً خرج الملك حمورابي بأول تشريع قانوني مكتوب في التاريخ كما ارتبطت المنطقة ببدايات الديانات القديمة مثل الزرادشتية وبمراحل تأسيسية في تطور الفكر الديني والإنساني.

* تعاقب الإمبراطوريات والحضارات:

بحكم موقعها الاستراتيجي خضعت سوريا لحكم وتعاقب قوى كبرى منها:
• الأكاديون والآشوريون والبابليون
• الميتانيون والحثيون
• الفرس
• اليونان والسلوقيون
• الرومان ثم البيزنطيون

وفي العهد الروماني (ابتداءاً من 116م) ازدهرت المسيحية في سوريا وأصبحت أنطاكية أحد أهم مراكزها في العالم ومنها انطلقت الرسالة المسيحية إلى مناطق واسعة على يد بولس الرسول كما شهدت تلك المرحلة إعلان الملكة زنوبيا استقلال تدمر مستغلة ضعف روما.

* الفتح الإسلامي والعصور الوسطى:

دخل الإسلام إلى سوريا في القرن السابع الميلادي بعد هزيمة البيزنطيين وأصبحت البلاد جزءاً من الدولة الإسلامية وبلغت ذروة ازدهارها في العصر الأموي حين اتخذت دمشق عاصمة للخلافة فشهدت تطوراً عمرانياً وثقافياً وحضارياً واسعاً.

لاحقاً ومع انتقال الخلافة إلى العباسيين تراجعت مكانة سوريا نسبياً ودخلت في مرحلة من التفكك السياسي والصراعات تخللتها الحملات الصليبية قبل أن ينجح الزنكيون وصلاح الدين الأيوبي في توحيدها واستعادة القدس ثم حكمها المماليك الذين طردوا الصليبيين رغم ما شهدته البلاد من دمار بسبب الغزوات المغولية والتيمورية.

* الحكم العثماني والنهضة الوطنية:

دخلت سوريا تحت الحكم العثماني عام (1516)بعد معركة مرج دابق وبقيت كذلك قرابة أربعة قرون ورغم فترات الازدهار خصوصاً في دمشق وحلب عانت البلاد من الضرائب والمجاعات والتجنيد الإجباري ما أدى إلى تصاعد الحركات الإصلاحية.

مع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام (1916)انتهى الحكم العثماني ودخلت القوات العربية دمشق عام (1918)أُعلنت المملكة العربية السورية عام (1920)لكن سرعان ما فرض الانتداب الفرنسي بقرار مؤتمر سان ريمو.

* النضال من أجل الاستقلال:

واجه السوريون الانتداب الفرنسي بثورات متلاحقة أبرزها الثورة السورية الكبرى عام (1925–1927)وأسفرت هذه المرحلة عن نشوء الحركة الوطنية وتأسيس الجمعية الدستورية وإقرار دستور (1930)وانتخاب محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية وبرز قادة وطنيون مثل فارس الخوري وبهجت الشهبندر.

وتوج هذا النضال بالجلاء الكامل ونيل الاستقلال في (17)نيسان (1946).

إن تاريخ سوريا ليس مجرد تسلسل زمني للأحداث بل هو سجل حي لمسيرة الإنسان منذ فجر الحضارة حتى العصر الحديث فقد كانت هذه الأرض مهداً للزراعة والكتابة والأسطورة والدين والتشريع ولا تزال شاهداً على إسهام إنساني عميق في بناء الحضارة العالمية وما ذكر ليس إلا غيضاً من فيض تاريخ غني ومتجذر يجعل من سوريا واحدة من أهم ركائز التاريخ الإنساني.

بقلم : أ . ريمون كبرون –
عضو الهيئة المركزية / مستشار الامانة العامة للشؤون الثقافية والهوية الوطنية.

الجمعة 19 كانون الأول 2025م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى