الإعلام ودوره في الحل السياسي السوري

على مدار العقد الأخير، شهدت سوريا واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العصر الحديث، حيث تداخلت فيها العوامل الداخلية والخارجية، وأصبحت ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية معقّدة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز الإعلام كعامل محوري لم يقتصر دوره على نقل الأحداث فحسب، بل تجاوز ذلك إلى التأثير المباشر في مسار الحلول السياسية المطروحة.
أولاً: الإعلام وتشكيل الرأي العام
لعب الإعلام، بمختلف وسائله التقليدية والرقمية، دوراً بارزاً في صياغة التصورات حول الأزمة السورية، سواء داخل البلاد أو في الأوساط الدولية. فقد تحوّلت المنصات الإعلامية إلى ساحات لعرض وجهات النظر المتباينة للأطراف المتصارعة، وساهم بعضها في تأجيج النزاع عبر الانحياز لطرف دون آخر. في المقابل، سعت وسائل أخرى إلى تقديم تغطيات متوازنة تبرز معاناة الشعب السوري وتؤكد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي يُنهي هذه المأساة الممتدة.
ثانياً: الإعلام كأداة للدبلوماسية العامة
بات الإعلام يشكل أداة دبلوماسية غير رسمية تستخدمها الدول الكبرى والمنظمات الدولية للتأثير في مسار الأزمة السورية. فمن خلال الحملات الإعلامية، تم تسليط الضوء على الجرائم والانتهاكات الإنسانية، مثل استخدام الأسلحة الكيماوية والحصار والتشريد القسري، مما دفع بالرأي العام العالمي للضغط على الحكومات والمؤسسات لاتخاذ مواقف أكثر فعالية. كما أسهم الإعلام في الترويج للمبادرات السياسية، مثل محادثات جنيف وأستانا، والدعوة إلى مشاركة كل الأطراف السورية في صياغة مستقبل البلاد.
ثالثاً: التحديات التي واجهها الإعلام
رغم الدور الحيوي للإعلام، فقد واجه تحديات كبيرة في تغطية الأزمة السورية، من أبرزها:
1. الاستقطاب السياسي: حيث تحوّلت بعض الوسائل الإعلامية إلى أدوات دعاية موجهة تخدم أجندات محددة.
2. غياب الحيادية: ما أدى إلى تراجع الثقة في الإعلام كمصدر موثوق للمعلومة.
3. القيود الأمنية: إذ يعمل الصحفيون في بيئة خطرة، مما يحدّ من قدرتهم على نقل صورة دقيقة ومتوازنة.
4. انتشار الأخبار الزائفة: لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في نشر الشائعات والمعلومات المضللة، مما زاد من تعقيد المشهد وأربك المتابعين.
رابعاً: دور الإعلام في دعم الحل السياسي
لكي يكون الإعلام فاعلاً في دعم الحل السياسي السوري، ينبغي أن يضطلع بالمهام التالية:
1. تعزيز ثقافة الحوار: عبر فتح المنصات الإعلامية أمام مختلف الآراء، والمساهمة في بناء الثقة بين الأطراف السورية المتنوعة.
2. نشر الوعي بالحلول السلمية: من خلال التركيز على المبادرات الإيجابية وقصص النجاح، لإبراز إمكانية التغيير السلمي.
3. مكافحة المعلومات المضللة: وذلك بدعم الصحافة المهنية والتحقق من المصادر ونشر الحقائق، لتقويض روايات التحريض والتضليل.
4. دعم جهود المصالحة الوطنية: بتسليط الضوء على أهمية العدالة الانتقالية، وضرورة إعادة الإعمار، وتشجيع التكاتف المجتمعي حول مشروع وطني جامع.
ختاماً…
يمكن القول إن الإعلام يمتلك قوة تأثير هائلة في مسار الحل السياسي السوري. وإذا ما تم توظيف هذه القوة بمسؤولية ومهنية، فإن الإعلام يمكن أن يشكّل ركيزة أساسية في دعم جهود السلام والمصالحة الوطنية، بما يفتح الأفق أمام مستقبل سوري أكثر استقراراً وعدلاً، يعيد الأمل لشعب أنهكته سنوات الحرب والدمار.
بقلم: محمد موصللي
الخميس ٢٩-٥-٢٠٢٥م





