قلم حر

دور العولمة في تآكل الهوية الوطنية

تُعد الهوية الوطنية جوهر انتماء الفرد إلى مجتمعه، وهي الإطار الذي تتشكل من خلاله القيم والتقاليد واللغة والعادات المشتركة ومع صعود العولمة في العقود الأخيرة، بدأ هذا المفهوم يواجه تحديات كبيرة، نتيجة التداخل الثقافي، والانفتاح على أنماط حياة وقيم جديدة فبينما يرى البعض في العولمة فرصة للتطور والانفتاح على الآخر، يرى آخرون أنها تُهدد الخصوصيات الثقافية، وتُسهم في تآكل الهوية الوطنية تدريجيًا.

من أبرز مظاهر العولمة هو انتشار الثقافة الغربية، خاصة من خلال الإعلام، والأفلام، والموسيقى، ومواقع التواصل الاجتماعي. هذه الوسائل تُروّج لأنماط حياة مغايرة تماماً لما اعتادت عليه الشعوب، وتُقدّمها على أنها رمز للتقدم والتحضر مع الوقت، يبدأ الشباب خصوصًا بتقليد هذه الأنماط، مما يؤدي إلى تراجع استخدام اللغة الأم، وانحسار العادات والتقاليد المحلية، وظهور نمط ثقافي “هجين” يفقد الفرد صلته بهويته الأصلية.
وايضا للشركات دور في تآكل الهويات الوطنية :

تلعب الشركات متعددة الجنسيات دوراً غير مباشر في تغيير الثقافة المحلية، من خلال المنتجات التي تسوّقها، وأساليب الحياة التي تروّج لها. فمثلًا، لا يقتصر تأثير مطاعم الوجبات السريعة أو العلامات التجارية العالمية على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليؤثر في نمط الاستهلاك، وأسلوب المعيشة، وحتى في مفاهيم الجمال والنجاح. وهذا التغلغل الاقتصادي يؤدي إلى نوع من “الاستعمار الثقافي” الذي يضعف مقومات الهوية الوطنية.

في ظل العولمة، تراجع الاهتمام بالتاريخ والتراث المحلي في مقابل الانشغال بثقافات أجنبية. لم تعد المدارس والمناهج التعليمية تُركّز كما في السابق على ترسيخ القيم الوطنية والرموز التاريخية، بل أصبحت تميل إلى تقديم مضامين عالمية “محايدة” أحيانًا، مما يؤدي إلى ضعف ارتباط الأجيال الجديدة بماضيها، وإلى حالة من الاغتراب الثقافي.

أدت العولمة إلى بروز تيارات فكرية تشكك في مفاهيم مثل القومية، والانتماء، والهوية الجمعية، وتروّج لمفاهيم الفردية والكونية هذا الأمر خلق صراعاً داخلياً في كثير من المجتمعات بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على العالم. كما تسبب أحيانًا في انقسام بين الأجيال، حيث يشعر الجيل الأكبر بأن هويته مهددة، بينما يرى الجيل الأصغر أن الانتماء للعالم أهم من الانتماء للوطن.

إن العولمة، رغم ما تحمله من مزايا في مجالات التقنية والتواصل والمعرفة، إلا أنها أصبحت أيضًا قوة ضاغطة على الهويات الوطنية، وتهدد بانقراض الثقافات المحلية إذا لم يتم التعامل معها بوعي من هنا، يصبح من الضروري بناء استراتيجية ثقافية متوازنة، تُحافظ على الخصوصية الوطنية، وتُشجّع على الانفتاح الواعي، حتى لا تتحول العولمة من فرصة للتكامل إلى أداة لطمس الذات وضياع الهوية.

بقلم : فاطمة العلي

الاثنين ٢-٦-٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى