قلم حر

الصراع الإيراني–الإسرائيلي… بين منطق الرسائل وحدود الانفجار

 

بقلم: [محمد درويش]

رغم التصعيد المتبادل بين إسرائيل وإيران خلال الأيام الأخيرة، إلا أن مشهد الصراع لم يرتقِ بعد إلى مستوى الحرب الشاملة. ما يجري هو أقرب إلى حرب رسائل وضغوط محسوبة، تتصل مباشرةً بملف البرنامج النووي الإيراني، لا بصراع وجودي مباشر.

فمن النادر، بل من غير المنطقي، أن ينذر أعداء بعضهم البعض بمواقع الضربات مسبقًا، كما هو الحال بين تل أبيب وطهران. تلك الإشارات الإعلامية والتسريبات الاستخباراتية المتبادلة ليست مقدمات لحرب كبرى، بل أدوات ضغط ضمن معركة عضّ الأصابع الجارية خلف الكواليس.

استهداف القيادات: ضرب الداخل عبر الخارج

اللافت أن معظم الشخصيات التي طالتها العمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان والعراق، وحتى داخل إيران نفسها، تنتمي إلى التيار الأكثر تشددًا في مواجهة الغرب والمفاوضات النووية. بما يوحي بأن الأهداف لا تقتصر على إضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني، بل تهدف أيضًا إلى إعادة ضبط التوازن داخل النظام الإيراني نفسه، لتقوية جناح أكثر مرونة تجاه التفاوض.

الضرب في الأطراف… لإخضاع المركز

نجحت إسرائيل، إلى حد بعيد، في تحجيم فعالية الأذرع الإيرانية في الجوار. في لبنان، حُشر حزب الله في زاوية داخلية خانقة. في سوريا، تعرض التواجد الإيراني لعشرات الضربات، أفقدته القدرة على التموضع المستدام. في فلسطين، تآكلت قدرات “الجهاد الإسلامي” بشكل غير مسبوق. أما في اليمن، فيبدو أن التركيز انتقل مؤخرًا إلى تحجيم نفوذ الحوثيين ضمن مشروع إعادة هندسة الخليج.

هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني مباشرة، بل إلى عزله عن امتداداته الإقليمية، ودفعه إلى القبول بإملاءات جديدة، أقلها في ملف تخصيب اليورانيوم، وأقصاها ربما فتح الباب لتغييرات داخلية تدريجية.

فدرلة الإقليم: من الأداة إلى الغاية

من بين السيناريوهات الأشد خطورة، والتي باتت تتكرر في تقارير مراكز القرار الغربية، هو سيناريو “فدرلة” الشرق الأوسط، أي الدفع نحو نماذج من الحكم اللامركزي المتشدد، لا في الدول المنهارة فحسب، بل في كيانات كبرى تشكل خطرًا إستراتيجيًا على إسرائيل أو تعيق مشاريع الهيمنة الغربية.

قد نشهد، في السنوات القليلة المقبلة، محاولات لترسيخ الفدرالية أو التقسيم الناعم في إيران، العراق، سوريا، وربما دول أخرى مثل تركيا أو مصر، تحت عناوين الحقوق القومية أو إصلاح النظام السياسي. والهدف النهائي هو تفكيك “الدولة المركزية” في هذه الكيانات، لتحييدها عن أي مواجهة محتملة مستقبلًا.

تركيا ومصر… على خط الانتظار

مع انكفاء إيران تحت ضغط الضربات والحراكات الداخلية، تتجه الأنظار إلى دور تركي ومصري قادم. كل من أنقرة والقاهرة تعانيان من أزمات بنيوية تجعل منهما مرشحتين إما للانخراط القسري في ترتيبات جديدة، أو للتعرّض لسيناريوهات مشابهة إذا ما رفضتا الانصياع للخرائط المرسومة.

خاتمة: الصراع مضبوط الإيقاع

رغم فداحة المشهد، إلا أن التوقعات ترجّح أن الحرب ستبقى ضمن حدودها المدروسة، دون انفجار شامل. فكل الأطراف، بمن فيهم إسرائيل، لا يسعون إلى انهيار مفاجئ لإيران يؤدي إلى فوضى غير قابلة للضبط. ما نراه هو تكتيك الضغط على الحافة، لانتزاع تنازلات سياسية في مفاوضات قد تُستأنف قريبًا، لا إطلاق رصاصة الانهيار.

إنها معركة “عض الأصابع” لا أكثر، لكن الأصابع التي تُعضّ هي أصابع شعوب المنطقة، ومستقبلها السياسي، وحدودها التي يُعاد رسمها بلا صوت.

الأحد ١٥ حزيران ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى