أرستقراطية العقل والفكر

“لدينا كافة الوسائل السلمية والسليمة التي تجعل البشرية أكثر أمناً، والحياة أكثر سعادة، لكننا نستخدم إمكانيات العلم في الترف المفسد أو الحرب المدمّرة. وكلاهما يقضي على المدنية الحقة ويجعل الحياة أشد بؤساً وشقاءً. أجل، لدينا القوّة ولكن تعوزنا الحكمة.”
* ما معنى “الأرستقراطية”؟:
الأرستقراطية كلمة يونانية الأصل تعني “حكم الأفضل”، وفي اللغة العربية تُشير إلى نظام حكم أو طبقة اجتماعية تتميّز بالتفوّق والتميّز، وغالباً ما تكون ذات امتيازات خاصة ومكانة مرموقة في المجتمع.
لكن في سياق العقل والفكر، نحن نتحدث عن “أرستقراطية معنوية” ترتبط بالرقيّ الفكري والإنساني، لا بالامتيازات المادية أو الطبقية.
* من أين يبدأ طريق الفكر الأرستقراطي؟
ينطلق من إدراكنا أنّ أزمة اليوم تكمن في تراجع الفكر الحقيقي أمام السطحية والوجاهة الزائفة.
لقد باتت الثقافة الغالبة اليوم هي ثقافة الاستعراض لا ثقافة العمق، والسبب هو هيمنة السطحية على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح المؤثر أكثر نفوذاً من المفكّر.
* لماذا المؤثر أكثر نفوذاً من المفكر؟
1. النفاق التكنولوجي:
يعود ذلك إلى قدرة المؤثر على استثمار العقول غير الناضجة والجاهلة بقيمة الوقت، واستقطاب إعجاب المراهقين وضعاف الوعي، إضافة إلى تغذية نفسه من انتقادات المتنمرين، مما يمنحه الشهرة والمال رغم هشاشة المحتوى.
2. النفاق الاجتماعي:
وهو التناقض بين السلوك المعلن والقيم الحقيقية. حيث يظهر بعض الأفراد بصورة الفضيلة بينما يمارسون عكسها في الخفاء، فيتلوّنون حسب المواقف سعياً للقبول الاجتماعي أو للمصالح الخاصة.
3. انتشار الطبقية:
إذ تُقسّم المجتمعات إلى فئات وطبقات على أساس الدخل والمهنة والتعليم والمكانة الاجتماعية والطائفة والدين والنسب… مما يُنتج فجوات فكرية وقيمية تعيق النمو الحضاري.
* ما المطلوب لبناء عقل وفكر أرستقراطي؟
• الخطوة الأولى: تهذيب الذات
عبر الارتقاء في “سُلّم التفوّق الإنساني” الذي يقوم على الفضائل: الوعي، العلم، التسامح، الكرم، الإنسانية. فالمحسن يرتقي درجات هذا السلم بينما الظالم والفاسد يهبط إلى القاع.
• الخطوة الثانية: البحث والقراءة
“القراءة للعقل كالرياضة للجسد.” بالقراءة تتوسع رؤيتنا للعالم، ونكتشف أنماط حياة مختلفة تُعمّق فهمنا وتزيد من تماسكنا الروحي والفكري.
• الخطوة الثالثة: الفنون المسرحية والدراما
المسرح ليس مجرد ترفيه بل وسيلة لإحياء العمق الفكري. مشهد درامي بسيط قد يُوقظ وعياً غافياً أو يُصحح مفهوماً مغلوطاً وكما قيل: “أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً.”
• الخطوة الرابعة: طرح الأسئلة
التساؤل اليومي هو مفتاح التفكير النقدي. حتى أبسط الأسئلة مثل: “لماذا السماء زرقاء؟” تفتح أبواب المعرفة وتُعيد تشكيل وعينا.
* أزمتنا ليست في غياب القوة بل في غياب الحكمة.
تتجلى أزمة الفكر المعاصر في ثلاث نقاط رئيسية:
• النفاق التكنولوجي
• النفاق الاجتماعي
• انتشار الطبقية
أما الهدف الأسمى فهو أن تصبح الأفضلية للفكر والوعي لا للمظاهر.
بقلم :جميلة الملا.
الخميس 21 آب 2025




