قلم حر

التدريب وأهميته

 

عندما نتأمل في الشكل الهندسي للحضارة الإنسانية، يتبادر إلى أذهاننا سؤال جوهري: كيف وصلت البشرية إلى هذا المستوى من التقدم والبنيان والمعرفة؟
ما هو العامل الأساسي الذي مكّن الإنسان من تحقيق هذا النتاج الحضاري الضخم؟

منذ أن بدأ الإنسان يدرك ذاته، سعى لتطوير نفسه، وبدأ بتناقل الخبرات والمعارف من جيل إلى جيل لكن هذا التناقل لم يكن محض صدفة أو نتيجة مشيئة إلهية أو إرادة فردية، بل اعتمد على عنصر حاسم: التدريب.
فالتدريب هو السر الكامن وراء التقدم البشري، وهو الذي مهّد الطريق أمام تطور الفكر، ونقل المهارات، وبناء الحضارات.

ولو عدنا إلى البدايات الأولى للمجتمع البشري، في العصر الطبيعي، لوجدنا أن الأم كانت أول مدرّب في تاريخ الإنسانية فهي المربي، والمعلم، والموجّه، والمخترع، والقائد الإداري في المجتمع الزراعي، الذي شكّل اللبنة الأولى في بناء الحضارة، منذ الثورة النيوليتية (الزراعية).

وقد كانت اللغة هي الأداة المركزية التي نقلت هذا التدريب من جيل إلى آخر وكما قال أحد المفكرين المعاصرين:

“ثورة اللغة هي أعظم ثورة في تاريخ البشرية.”

فلولا اللغة، لما أمكن توثيق الخبرات والمعارف، ولا نقلها، ولا تطويرها من خلالها تحولت التجربة الإنسانية من مجرد ممارسة آنية إلى معرفة متراكمة امتدت عبر آلاف السنين، ظهرت في النقوش السومرية، وملحمة جلجامش، والألواح الطينية، واللفائف الورقية، وحجر رشيد، وغيرها من الشواهد التاريخية التي حفظت معارف الإنسان واكتشافاته.

لقد تطورت اللغة بالتوازي مع تطور الفكر، وكل منهما عزّز الآخر. ومع تطور آليات التدوين والتوثيق، توسعت مجالات التدريب، وأصبحت الأداة الأساسية في نهضة المجتمعات.

واليوم، تزداد أهمية التدريب باعتباره الوسيلة الأهم في توجيه المجتمعات، إما نحو خدمة السلطة واستمرار الاستبداد، أو نحو تحرير الشعوب وتمكينها من وعيها ومصيرها.
والفيصل في ذلك هو: مدى وعي المجتمع بأهمية التدريب وقربه منه، كممارسة ومنهج وثقافة.

بقلم : وليد نعسان

الثلاثاء ١ تموز ٢٠٢٥

 

 


 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى