بناء الديمقراطية في سوريا

أولاً: ما هي الديمقراطية؟
الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي نظام حكم ونظام قيمي متكامل يقوم على عدة أركان أساسية:
1. حكم الشعب: حيث تكون السلطة العليا للشعب، يمارسها مباشرة (كما في الاستفتاءات) أو بشكل غير مباشر من خلال ممثلين يتم انتخابهم بحرية ونزاهة.
2. سيادة القانون: يكون الجميع، الحكام والمحكومين، متساوين أمام القانون، وتكون القوانين واضحة ومستقرة وتحمي حقوق الأفراد.
3. الفصل بين السلطات: استقلالية السلطة التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة) والقضائية لضمان وجود رقابة وتوازن بينها ومنع تركيز السلطة.
4. ضمان الحريات والحقوق الأساسية: مثل حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب، وحرية الاعتقاد.
5. التعددية السياسية: السماح بوجود عدة أحزاب وتيارات سياسية تتنافس سلمياً على السلطة.
6. الشفافية والمساءلة: يجب أن تكون أعمال الحكومة شفافة وخاضعة للمساءلة من قبل البرلمان والإعلام والمجتمع المدني.
ثانياً: شروط تطبيق الديمقراطية في المجتمع السوري:
تطبيق الديمقراطية في أي مجتمع هو عملية معقدة وطويلة الأمد، وفي سوريا – بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية المدمرة وضمن تركيبة اجتماعية معقدة – تكون التحديات أكبر. يمكن تقسيم الشروط إلى عدة مستويات:
1. الشروط السياسية والأمنية:
• إنهاء النزاع المسلح وإقامة سلام مستدام: لا يمكن بناء الديمقراطية في مناخ من العنف والانقسام والاحتلالات الأجنبية.
• بناء مؤسسات دولة محايدة: استبدال مؤسسات الدولة القائمة على الولاء للفرد أو الحزب الواحد بمؤسسات تخدم جميع السوريين دون تمييز، خاصة مؤسسات الجيش والأمن والقضاء.
• توافق وطني على “قواعد اللعبة”: يجب أن يتوافق السوريون، عبر حوار وطني شامل، على أسس العقد الاجتماعي الجديد الذي يتمثل بدستور دائم يضمن حقوق جميع المكونات (عرب، أكراد، تركمان…) والطوائف (مسلمون، مسيحيون…) ويحدد شكل الدولة (مركزية، لا مركزية، فيدرالية…).
2. الشروط المجتمعية والثقافية:
• المصالحة الوطنية وبناء الثقة: الحرب دمّرت النسيج الاجتماعي السوري. تحتاج العملية الديمقراطية إلى برامج جادة للمصالحة الوطنية، وعدالة انتقالية، ومعالجة جذور الأزمة من أجل تجاوز الأحقاد وبناء الثقة بين مكونات المجتمع.
• ترسيخ ثقافة المواطنة: استبدال الولاءات الطائفية أو العشائرية بثقافة المواطنة، حيث يكون الانتماء الأول للوطن ولحقوق وواجبات متساوية للجميع.
• دور المجتمع المدني: تنشيط وتقوية منظمات المجتمع المدني المستقلة (حقوق الإنسان، الإغاثة، الإعلام المستقل، النقابات) التي تشكل ركيزة للمشاركة والرقابة الشعبية.
3. الشروط الاقتصادية والتعليمية:
• معالجة الأزمة الاقتصادية الإنسانية: من الصعب الحديث عن مشاركة سياسية فاعلة عندما يكون هم المواطن الأساسي هو تأمين قوت يومه. إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية شرط أساسي لاستقرار المجتمع.
• إصلاح النظام التعليمي: يحتاج التعليم إلى إصلاح جذري لتعزيز قيم التسامح، والنقد البناء، والقبول بالآخر، والمشاركة المدنية، بدلاً من التلقين وتعزيز الولاء للأيديولوجيات الأحادية.
ثالثاً: التحديات الخاصة بسوريا:
• التدخلات الخارجية: وجود قوى إقليمية ودولية متعددة ذات مصالح متضاربة في سوريا يشكل عائقاً كبيراً أمام أي عملية سياسية مستقلة.
• تعقيد التركيبة الديموغرافية: التنوع السوري يمكن أن يكون مصدر ثراء إذا أُحسن إدارته، لكنه قد يتحول إلى مصدر انقسام إذا لم يتم التوصل إلى صيغة عادلة لتقاسم السلطة والثروة.
• الإرث الطويل من الاستبداد: حكم النظام المركزي لعقود ترك تأثيراً عميقاً على العقلية والمؤسسات، وسيتطلب تغييره وقتاً طويلاً.
بناء الديمقراطية في سوريا ليس حدثاً واحداً (مثل انتخابات) بل هو عملية طويلة ومعقدة تحتاج إلى:
• إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف الداخلية والخارجية.
• وقت وصبر لبناء المؤسسات وترميم المجتمع.
• دعم دولي بطريقة تحترم الخيار السوري ولا تفرض أجندات خارجية.
الطريق طويل وشاق، ولكن البداية تكون دائماً بالتوافق على المبادئ الأساسية للعيش المشترك، واحترام حقوق الإنسان، واختيار السوريين لمستقبلهم بأنفسهم.
بقلم: أمل طعمة
الجمعة 3 تشرين الأول 2025م




