قلم حر

صحوة الروح: التطور الثقافي في سورية بعد التحرير

بعد سنوات عجاف هزّت البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في سورية، يطلّ مشهد ما بعد التحرير كفجر جديد، حاملاً معه بذور صحوة ثقافية عميقة تسعى لإعادة بناء ما تهدّم، ونسج لوحة ثقافية تعكس روح سورية المتجددة. هذا التطور الثقافي ليس ترفاً، بل هو حجر الزاوية في إعادة تشكيل الهوية الوطنية وتعزيز اللحمة المجتمعية والانطلاق نحو المستقبل.

1. إحياء الذاكرة وإعادة ترميم الموروث:
* **ترميم الآثار والمتاحف:** تشهد المواقع الأثرية العريقة (مثل تدمر، بصرى، أفاميا، قلعة الحصن) ومتاحف البلاد (متحف دمشق الوطني نموذجاً) جهوداً مكثفة لإعادة ترميم ما تضرر، استعادة القطع المنهوبة، وإعادة فتحها للجمهور. هذا ليس مجرد ترميم حجارة، بل هو إحياء للذاكرة الجماعية والهوية الحضارية المتجذرة في عمق التاريخ.
* **توثيق التراث غير المادي:** تنشط مبادرات لتسجيل وحفظ الفنون الشعبية، الحكايات التراثية، الممارسات التقليدية، واللهجات المحلية التي كادت تندثر، أو تأثرت بفعل التشرد والنزوح، حفاظاً على التنوع الثقافي الثري الذي تمتاز به سورية.

2. انبعاث المشهد الإبداعي المعاصر:
* **إعادة إطلاق الفعاليات الثقافية:** يعود تدريجياً عقد المهرجانات المسرحية والسينمائية (مثل مهرجان دمشق السينمائي) والموسيقية (جازية، وغيرها) ومعارض الفنون التشكيلية والكتاب. هذه الفعاليات تشكل منابر حيوية لالتقاء المبدعين والجمهور وتبادل الأفكار.
* **ازدهار المسرح والفنون الأدائية:** يعاود المسرح السوري (الرسمي والخاص) نشاطه بقوة، بتقديم أعمال تعالج قضايا الواقع الجديد، هموم الناس، وتجارب الحرب بكل تعقيداتها الإنسانية، من خلال لغة فنية جريئة ومبتكرة
* **تنوع في الإنتاج الأدبي والفكري:** يشهد الساحة الأدبية (رواية، شعر، قصة) إنتاجاً غزيراً يتناول تجربة الحرب، النزوح، الذاكرة، التسامح، وبناء المستقبل. كما تعود حركة النشر والترجمة، وإن كانت تواجه تحديات اقتصادية.
* **فنون بصرية جديدة:** يبرز جيل من الفنانين التشكيليين والغرافيتي يستخدم أدواته لرسم مآسي الماضي وأمل المستقبل، وتحويل جدران المدن المدمرة إلى لوحات تعبيرية عن الصمود والجمال.

3. تحديات ورهانات التطور الثقافي:
* **التمويل والبنية التحتية:** تبقى محدودية الموارد المخصصة للثقافة، وصعوبة إعادة تأهيل البنى التحتية الثقافية (مسارح، دور سينما، مكتبات) بالكامل، تحدياً كبيراً.
* **الجروح النفسية والنسيج الاجتماعي:** يحتاج التطور الثقافي إلى معالجة عميقة للصدمات النفسية الجماعية، وتعزيز خطاب ثقافي يدعو للمصالحة والتسامح ويرفض الفرقة، وهو أمر بالغ التعقيد ويتطلب وقتاً وحكمة.
* **حرية التعبير والإبداع:** يظل مدى الحرية المتاحة للمبدعين في طرح قضايا المجتمع بجرأة وشفافية، دون خوف من رقابة مفرطة أو توجس، عاملاً حاسماً في مدى أصالة وحيوية المشهد الثقافي المستقبلي.
* **استقطاب الجمهور:** إعادة جذب الجمهور، خاصة الشباب، للفعاليات الثقافية بعد سنوات من الانقطاع والانشغال بهموم البقاء، يتطلب ابتكاراً في الشكل والمضمون وربط الثقافة بحياتهم اليومية وتطلعاتهم.

4. الثقافة جسراً للمستقبل:
يشكل التطور الثقافي في سورية ما بعد التحرير فرصة تاريخية:

* **إعادة تعريف الهوية:** مساعدة المجتمع على إعادة تعريف هويته الجامعة في ظل التنوع، مستندة إلى تاريخ مشترك وقيم إنسانية.
* **أداة للتعافي النفسي:** كون الفنون والأداب وسائل قوية للتعبير عن الألم، معالجة الصدمات، وزراعة الأمل.
* **اقتصاد إبداعي:** يمكن للاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية (سياحة ثقافية، حرف يدوية، إنتاج سينمائي…) أن يساهم في التنمية الاقتصادية المستدامة.
* **صورة عالمية جديدة:** إعادة بناء صورة سورية في العالم كمركز إشعاع حضاري وثقافي، وليس فقط كمسرح لنزاع.

الخلاصة:
رحلة التطور الثقافي في سورية بعد التحرير هي رحلة معقدة وطويلة، مليئة بالتحديات، لكنها مشبعة بالأمل والطاقة الإبداعية الهائلة التي تختزنها روح الشعب السوري إن نجاح هذه الصحوة الثقافية مرهون بتضافر جهود الدولة (من خلال سياسات ثقافية داعمة)، والمؤسسات المدنية، والمبدعين أنفسهم، والجمهور. إنها مسؤولية مشتركة لإعادة إحياء “روح سورية”، تلك الروح التي صنعت على مدى آلاف السنين حضارة أثرت العالم، لتستمر اليوم في البناء من وسط الركام، نحو مستقبل يليق بإرثها الإنساني الخالد. الثقافة هنا ليست ترفاً، بل هي الدواء والجسر والسلاح لبناء غد أفضل.

بقلم : محمد الملاّ.
الاثنين ١٨ آب ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى