قلم حر

من طلب العلا قصد القرى.. ما لم تروِه الحكايات!

بدأ البشري حياته متنقلاً بين الكهوف والمُغر، يعيش حياة البداوة حتى اكتشاف الإنسان السوري للزراعة واستقرارهحول الأنهار، ثم تحول التجمعات البشرية من نمط حياة قطعان الوحوش التي آثرت الصيد إلى نمط الإنسانالحضاري الذي بدأ بناء الحضارة بإنتاجه الزراعي، أنتجت الزراعة بدورها الصناعة والطب، وساهمت في وضع القواعدالأساسية للعلوم الأخرى بتأسيس القرية كأول مجتمعٍ إنسانيٍ حضاري، قامت عليه جميع الحضارات العريقة، ثمتحولت العديد منها مع تطور العمران البشري إلى المدن.

كثيراً ما تداولنا عبارة “من طلب العلا هجر القرى”، متفاخرين بمدنيتنا، متبرئين من أصولنا الريفية، ذلك أنّ معظمالأحاديث التي تصلنا عن القرية خلافٌ على حدود الأرض، ومشاكل المخترة والجمعية الفلاحية، أمّا الذي لم يصلجيداً أو شوشته النرجسية التي نعيشها نحن أهل المدن هو التنظيم الدقيق لأمور حياتهم، النرجسية تلك أسقطتهاسمفونية القرية التي تحييها الطبيعة حين كنت أستمتع بها في أحد أيام الصيف، إذ تناهى إلى مسامعي صوت فيروزيقترب مع اقتراب سيارة توزيع جِرار الغاز دون أن يمزق هذا التناغمَ صدى قرع المفتاح الإنجليزي على الجرةالمعدنية المرافق لصوت البائع أو بوق سيارته، صوت فيروز كان العقد الاجتماعي الشفوي بين البائع وأهل القرى،تسلل إلى ذاكرتي صوت بوق سيارة بائع المياه الذي يشبه صوت إنذار دوي الحرب يهزُّ البيوت العشوائية على أطرافدمشق، بل إنه أكثر إزعاجاً من كل أبواق السُلطة، أعتقد جازماً لو أنّ مياه الشرب تُباع في القرية كما تُباع فيعشوائيات دمشق المخالفة للنظام الكوني لكان صوت وديع الصافي وهو يغني “خضرا يا بلادي خضرا ورزقك فوار”هو العقد الاجتماعي بينهم، لكن أهل القرية يعتمدون على الينابيع غالباً في ريّ بيوتهم ومزروعاتهم بشكل بسيطومنظّم، يمدون خراطيم المياه إلى أراضيهم، يتقاسمونها على شكل جدولٍ يومي، بحيث يأخذ كل منزلٍ حقه منالموارد الطبيعية، بينما تنشب المعارك بين بيوت البناء الواحد في المدينة، بالرغم من اعتمادهم على أحصنةٍ آليةٍفي جر المياه إلى بيوتهم، علب الكبريت المتلاصقة التي نعيش فيها.

إذاً؛ ليست فيروز وحدها من يؤكّد مدنية القرية إذا ما اعتبرنا المدنية نموذجاً حضارياً دون غيره، بل إدارة مواردهاوالتنظيم الاجتماعي فيها أيضاً في مختلف المناسبات والظروف، فالأعراس كانت تُنظم وسط ساحة القرية، يجهّزبعض شباب القرية مكان الاحتفال بينما يجتمع أصدقاء العريس يحممونه، وفيما تقوم صديقات العروس بتزيينها،تطبخ النساء للقرية كلها، ومع تطور الحياة انتقلت الأعراس إلى صالاتها الخاصة وأصبحت أكثر تكلفةً إلا أنّ تقليدالنقطة الذي يتبعه أهل الريف يحمل عبئاً كبيراً عن كاهل العريس، فيما تبتعد أعراس المدينة في غالبها عن التكافلالاجتماعي وتتجه نحو استعراض الجاه الذي ستعيش العروس في كنفه، وبالتطرق إلى الموت كونه الأكثر تداولاً فيمشرقنا العربي، المتوفى كائناً من كان عزيز القرية كلها، يتجمّهر شبابها ويتقاسمون المهام، تحضّر مجموعةٌ القبرَريثما يصل جثمان الميت، بينما يتكفّل آخرون بإعداد المَبَرّة، وهي صالة العزاء التي بناها أهل القرية من صندوقهاالخاص الذي يجمعون فيه التبرعات طيلة العام، ويفتحونه للضرورة التي تفرضها سنّة الكون من مرضٍ أو وفاة، يقومقسمٌ آخرٌ منهم بتحضير القهوة المرّة والشاي أما تلاوة القرآن الكريم، فهي مسؤولية إمام القرية الذي قد يستعيضعن قراءتها بأشرطةٍ مسجلة، كذلك النساء يتقاسمن تحضّير مجلسهنّ الخاص، فيما تقوم أخريات بتحضّير الطعاملأهل المُتوفى طيلة أيام عزائه حتى اليوم السابع من وفاته، يشترك أهل القرية بتجهيز وإعداد مأدبة طعامٍ كبيرةٍ،يجتمعون حولها بعد صلاةٍ جماعيةٍ؛ طلباً للمغفرة والدعاء للمتوفى، ويوزع الطعام على بيوت القرية نفسها، بينمايرتبك أهل المدن بوفاة فقيدهم أكثر من رحلة علاجه بسبب التكاليف الباهظة للقبر الذي يحدد سعره موقعهودرجة رفاهيته عدا عن تكاليف العزاء من استئجار الصالة ومراسم الدفن وغيرها من التفاصيل الأساسية التيتفرضها تقاليد المجتمع ومعتقداته.

المجتمع الريفي في سوريا عموماً يشكّل بأعرافه وتقاليده مجتمعاً مدنياً منظماً قائماً بذاته مع ضعف فعاليةمؤسسات المجتمع المدني التي يقوم أهل القرى بدورها، أولئك الذين لم ينصفهم أحد كما أنصفهم ابن خلدونبقوله “تتميز عاداتهم التي تنظم حياتهم بالسلاسة ويمكن أن نجد في ممارساتهم وطبيعتهم أشياء كثيرة لنتعلممنها، بالإضافة إلى أنّ عيوبهم لا تشكل خطراً كبيراً لو قارناها بعادات سكان المدن”، ورآهم “أكثر ميولاً إلى الفضيلةمن سكان المدن”؛ إذاً من طلب العلا قصد القرى، وانطلق منها نحو العمران البشري كما انطلق ابن خلدون فيمقدمته، فالطبيعة هي المعلم الأول، وأبناؤها فلاسفة الهندسة الفطرية.

بقلم :حسن يوسف فخّور

السبت 27 أيلول 2025م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى