محمد شحرور: قراءة نسوية في إرثه الفكري

في مثل هذا اليوم من عام 2019، غيّب الموت المفكر السوري محمد شحرور، تاركاً إرثاً فكرياً لا يزال حاضراً فيالجدل العام، ومحفّزًا لإعادة التفكير في العلاقة بين النص الديني والواقع المعاصر.
لم يكن شحرور مجرد مهندس مدني أو أستاذ جامعي، بل قدّم مشروعاً فكرياً قائماً على قراءة لغوية–منهجيةللقرآن، سعى من خلالها إلى تحرير النص من التراكمات الفقهية والتفسيرية التي حوّلته، برأيه، إلى منظومة مغلقةمن الأحكام الجامدة رفض اختزال الدين في الرواية التراثية وحدها، ورأى أن الجمود التأويلي—وخاصة ذاك المرتبطبالهيمنة الذكورية—يحجب البعد القيمي والإنساني للقرآن.
في مشروعه، لم يكن النص الديني حكراً على الرجال، ولا أداة لإدامة عدم المساواة، بل مجالاً مفتوحاً للاجتهاد،يستند إلى مبدأ الكرامة الإنسانية والمساواة بين الجنسين من هذا المنطلق، قدّم شحرور قراءات اجتهادية اعتبرهامنسجمة مع العدالة الجندرية، ومن أبرزها:
• القوامة: ليست سلطة مطلقة للرجل، بل مسؤولية اقتصادية مشروطة، تنتقل إلى المرأة إذا كانت هيالقادرة على الإعالة.
• الزواج والطلاق: الزواج ميثاق متبادل، وفسخه حق للطرفين، وليس امتيازًا حصريًا بيد الرجل.
• الإرث: قدّم تحليلًا رياضياً للحالات التطبيقية، خلص فيه إلى أن كثيراً من صور الإرث تؤدي عملياً إلىمساواة بين الذكر والأنثى، خلافًا لما ترسّخ في الفهم السائد.
• الشهادة واللباس: رفض تفضيل شهادة الرجل على المرأة، واعتبر اللباس مسألة حماية اجتماعية لا أداةضبط أو قمع، مؤكدًا أن الوجه يمثل هوية إنسانية لا يجوز محوها.
• المطلّقة: لها حق البقاء في بيت الزوجية خلال العدة دون إقصاء أو ضغط، وهي متساوية مع الرجل فيالحقوق المدنية.
• تعدد الزوجات: حصره في ظروف اجتماعية استثنائية، كالحروب والكوارث التي يختل فيها التوازنالديمغرافي، ورأى فيه آلية حماية للأيتام والأرامل لا نظاماً دائماً وتُعد مناظرته التلفزيونية مع أستاذة شريعة أزهريةحول هذه القضية محطة بارزة في مسيرته الفكرية.
* إرث يتجاوز زمنه :
لم تكن أفكار محمد شحرور مجرد اجتهادات فقهية جزئية، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين النص والواقع، وبينالحرية والحدود، وبين المرأة والرجل وفي زمن تتصارع فيه القراءات الدينية، يظل مشروعه شاهدًا على إمكانية فهمالقرآن بوصفه كتاب حياة وقيم، لا كتاب قيود، وعلى أن العدالة الجندرية ليست ترفاً فكرياً بل جزءاً أصيلًا من جوهرالرسالة.
بقلم : أ.سارا عباس
“عضو المكتب السياسي/ معاون الأمين العام للحزب”




