السياسة في الواقع

في عالم السياسة تتعدد المداخل والمخارج وتتقاطع المصالح وتتشابك الغايات وكثيراً ما تؤدي بعض السياساتإلى مكاسب آنية كبيرة تخدم أطرافاً محددة لكنها إن لم تبن على أسس أخلاقية صادقة تهدف إلى الإنماء العامللبشرية فإنها ستعود بالضرر على من يمارسها، مهما بدا له النجاح في الوقت الراهن.
فالسياسة التي تدار دون نزاهة، تشبه موجة هوجاء سرعان ما ترتد على أصحابها مدمرة كل من استخدمها لتحقيقمكاسب على حساب الآخرين.
إن السياسة النزيهة تنطلق من احترام الإنسان وحقوقه وتقوم على عدم التعدي على الآخرين سواء في حقوقهمالثقافية أو الفكرية أو الاقتصادية فكل مشروع سياسي لا يستند إلى العدالة والمساواة والاحترام المتبادل إنما يزرعبذور الانقسام والاضطراب.
* السياسات الدولية المعاصرة:
اليوم تُبنى غالبية السياسات الدولية على الطمع والسيطرة حيث تسعى القوى الكبرى إلى إخضاع الشعوب الأخرىفكريا واقتصاديا ومحو هويتها الاجتماعية والثقافية وهذه الممارسات تعد امتدادا لعقلية استعمارية قديمة تعيدناإلى عصور ما قبل التطور الإنساني وإلى زمن العبودية المقنعة بأشكال جديدة من النفوذ والتبعية.
* الاستعمار نموذجاً:
لقد مثلت السياسات الاستعمارية في إفريقيا وآسيا أوضح مثال على هذا النهج غير النزيه فقد قامت على السيطرةالعسكرية والسياسية والاقتصادية من خلال غزو الأراضي ونهب الموارد واستغلال السكان مما ترك آثارا عميقة مازالت ماثلة حتى اليوم.
فقد رسم المستعمر حدودا مصطنعة وقوض الهويات المحلية وأبقى المستعمرات في حالة من التخلف الاقتصاديالمتعمد، لتظل تابعة له.
أما السيطرة العسكرية فقد استخدمت القوة المفرطة لإخضاع الشعوب كما حدث في سياسة الأرض المحروقة فيالجزائر.
وعلى الصعيد الاقتصادي فرضت قوانين استعمارية قائمة على نهب الثروات وإضعاف أصحاب الأرض ليبقوا أسرىلعلاقات تبعية وهيمنة طويلة الأمد.
ولم يكن الاستعمار الثقافي أقل خطورة إذ سعى إلى فرض ثقافة المستعمر على الشعوب المستعمرة وإضعافهافكريا وتعليميا لتبقى تحت سيطرته في دوامة من الجهل والتبعية كقطيع أعمى يسير وفق إرادته.
* السياسات الاستعمارية في سورية:
أما المثال الأوضح في عصرنا الحديث فهو ما تتعرض له سورية من سياسات استعمارية جديدة تسعى إلى تمزيقوحدتها الوطنية
فكثير من الدول الطامعة بمصالحها تمارس دوراً خطيراً في تفتيت البلاد إلى دويلات عرقية وطائفية وترسم حدودامصطنعة تنتج أزمات إدارية واقتصادية لا تنتهي كما تفرض سياسات تغذي النعرات الطائفية والعرقية وتزرع الفتنةبين المكونات الاجتماعية وتُهمّش النخب الوطنية لصالح قوى تابعة تخدم مصالح الخارج.
* إن الهدف من كل ذلك واضح: إضعاف سورية وتمزيقها، وتحويلها إلى مناطق نفوذ واستعمار جديدة، لإضعافالحركة الوطنية السورية وإفشال مشروعها في بناء دولة تعددية مستقلة ذات سيادة حقيقية.
* السياسة النزيهة لا تبنى على الاستغلال والسيطرة، بل على العدالة والاحترام المتبادل وكل سياسة لا تهدف إلىخدمة الإنسان وكرامته هي مشروع زائل مهما امتلك من القوة والسطوة وحدها السياسة الأخلاقية العادلة قادرة علىبناء الأوطان وصون الشعوب وتحقيق الاستقرار والسلام.
بقلم : حيدر حمدان.
الجمعة 31 تشرين الأول 2025م




