قلم حر

الانتقال من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة

بقلم: [يحيى المحمود]

ما نشهده اليوم من تصعيد بين إسرائيل وإيران ليس مجرّد جولة جديدة من التوتر، بل تحوّل جذري من مرحلة “حرب الظل” إلى مواجهة شبه مباشرة، قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. هذه ليست مجرد ردّ على هجوم، بل بداية حقبة جديدة في الصراع الإقليمي.

للمرة الأولى منذ عقود، تستهدف إسرائيل العمق الإيراني بشكل علني ومكثف، عبر ضرب منشآت نووية وعسكرية، وتتحمّل المسؤولية السياسية عن ذلك. السبب واضح: كلفة الانتظار باتت أخطر من كلفة المبادرة، في ظل تقدّم البرنامج النووي الإيراني، وتراجع الانشغال الأميركي، وضعف الردع الغربي.

في المقابل، لم تعد إيران ترد عبر وكلائها فقط، بل دخلت المواجهة بشكل مباشر، من خلال إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة. هذا التحول يعكس سعي طهران إلى فرض معادلة ردع مباشرة مع إسرائيل، لا عبر أطراف ثالثة فقط.

تعتقد إسرائيل أن لديها “نافذة تاريخية” لتقويض البرنامج النووي الإيراني قبل أن يتحصّن بالكامل، مستفيدة من حالة التشتت العالمي. لذلك، تراهن على ضربة استباقية تفرض معادلات جديدة. أما إيران، فترى أن الهجمات الإسرائيلية تجاوزت الخطوط الحمراء، لكنها تسعى حتى الآن لضبط ردّها ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، مدركة هشاشة وضعها الداخلي والاقتصادي، ومراهنة على الوقت أكثر من الانفجار المباشر.

لبنان يقف على حافة الاشتعال، لكن حزب الله لا يزال يتريث. العراق يشهد توترًا غير مباشر مع تصاعد الحضور الأميركي وتحركات الفصائل المسلحة. الخليج يراقب بقلق، مرحبًا في الوقت ذاته بأي تراجع للنفوذ الإيراني. وتركيا تمارس توازنًا حذرًا، تخشى الحرب وتستثمر بهدوء في لحظات الفراغ.

المؤشرات المستقبلية لا توحي بحرب شاملة وشيكة، لكنها تدل على نزيف طويل الأمد من التصعيد التدريجي، سواء عبر الوكلاء أو من خلال المواجهات المباشرة. معادلة “الردع بالوكالة” بين إسرائيل وإيران تنهار، وإيران مضطرة للدخول في ردود مباشرة، بينما تستمر إسرائيل في كسر الخطوط الحمراء.

هذا التصعيد قد يدفع القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، إلى تعزيز تدخلها لحماية مصالحها الاستراتيجية، وخاصة أمن إسرائيل واستقرار منشآت الطاقة في الخليج.

في المحصلة، نحن أمام تحوّل استراتيجي غير مسبوق: إسرائيل تضرب قلب إيران النووي والسيادي، وإيران تردّ بشكل مباشر. كلا الطرفين يسعى لتفادي الحرب الشاملة، لكن لا ضمانات لاحتوائها. هذه المواجهة ليست عابرة، بل لحظة فاصلة في إعادة تشكيل معادلات الردع في المنطقة.

الثلاثاء 17 حزيران 2025م

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى