قلم حر

شراكة العداء المُعْلَن – إيران وإسرائيل وتبادل الأدوار في مشهد الشرق الأوسط.

بقلم: [ أحمد الشيخ ]

في خِضَمِّ التَّحوُّلات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الإقليم، تبدو العودة إلى سَبْرِ أغوار المحطات المفصليّة لفهم السِّياقات العميقة التي تَحكُم ما يُسمّى بالصراع الإيراني-الإسرائيلي. فبعيداً عن الخطابات التّعبويّة والمواقف الانفعاليّة، تكشِف قراءة متأنّية للتاريخ السياسي المعاصر عن نمطٍ من الاشتباك المُرَكّب بين الجانبين،

قوامه المصالح المتقاطعة أكثر مِمَّا هو عليه حال التناقضات الوجودية بينهما.

أولاً: من قمة غوادلوب إلى طهران – صناعة الدور الإيراني

عام 1979، اجتمع قادة الدول الغربية الأربع في “قمة غوادلوب” (كارتر، كالاهان، جيسكار ديستان، شميت) وقرَّروا إنهاء عهد الشاه، بما يخدم إعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. لم يكن قرار دعم عودة الخميني من منفاه الباريسي إلى طهران قراراً عبثيًاً، بل خطوة مدروسة لفتح الباب أمام لاعب جديد قادر على لعب أدوار مزدوجة: تهديد المصالح التقليدية، و ضمان مصالح أُخرى مِن تحت الطاولة وإغلاق المنطقة بإشعال صراع جهادي مذهبي في وجه السوفييت.

الخميني لم يأتِ فقط كقائد ثورة دينية امتطى صهوة حلفائه اليساريين ومجاهدي خلق وغيرهم ممن عملوا على الأرض ضد نظام الشاه، بل جِيْءَ به كأداة جاهزة لإطلاق مشروع طائفي سياسي توسُّعي، اتَّضَحَتْ مَعالِمُه لاحقاً في لبنان. العراق، سوريا واليمن.

وهو مشروع، رغم خطابه العدائي تجاه “الشيطان الأكبر” و”الكيان الصهيوني”، لم يتعارض عمليَّاً مع التّدخّلات الغربية، بل تقاطع معها أحياناً كثيرة، بِقَصْد لا بِصُدْفَة.

ثانياً: إيران غيت – تبادل المصالح خلف الكواليس

لم تكن فضيحة “إيران كونترا” عام 1986 سوى نموذج علني لما يحدث في الخفاء. حين تكشّف أن إسرائيل لعبَت دور الوسيط في تزويد طهران بالسلاح خلال

حربها الوظيفية ضد النظام البعثي الوظيفي في بغداد، عبر مرفأ بندر عباس الإيراني، بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب بِمَعِيَّة “ديفيد كمحي” قائد الموساد في أوروبا و تاجِر السلاح السعودي المُتَنَفِّذ “عدنان خاشقجي… إلخ

سقط القناع عن “العداء الوجودي” و بدا واضحاً أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الصراع الإعلامي والتفاهمات الواقعية، وأن النظام الإيراني ليس خارج المنظومة، بل جزءٌ أساسي منها – يؤدي دوراً مزدوجاً يُخيف حلفاء أميركا تارَّةً ويخدم مصالحها تارَّةً أُخرى.

ثالثًاً: “الطريق إلى القدس”… من سوريا إلى الخليج

الهجوم الإسرائيلي الأخير على قيادات و مفاعلات إيران وقبلها على كوادر وقواعد الحرس الثوري الإيراني في سوريا، قد يُفهَم ظاهريَّاً كحلقة أخيرة وضربة قاضية ضمن دائرة الصراع، لكنه – عند التدقيق – قد يكون رسالة مُرَكَّبة.. فطهران التي كانت تَزعُم أن طريقها إلى القدس يمر من الغوطة والقلمون وإدلب، تجد اليوم أن طريقها الجديد ربما يمر عبر بوابات الخليج: الرياض، الدوحة، دبي والكويت… إلخ

التموضع الإيراني في المنطقة لم يعد محصوراً بالجبهات العسكرية، بل يتمدد إلى مساحات الاقتصاد، التكنولوجيا، وتفاهمات “ما بعد الطوفان” الذي اجتاح المشرق العربي منذ 2011. في هذا الإطار، تبدو الضربة العبريّة الموجعة أداة لإعادة التوازن، لا لِكَسر العلاقة – وربما رسالة ناريّة لإيران: “نختلف، لكننا نفهم بعضنا البعض جيداً”.

خاتمة:

المشهد الإقليمي أكثر تعقيداً مما يبدو في العناوين، وإذا أردنا فهم السياسات الإيرانية والإسرائيلية، فعلينا التخلّص من ثنائية “العدو والصديق”، والاعتراف بواقعٍ مفاده أن الصراعات الكبرى لا تُدار بالشعارات، بل بتبادل الأدوار بين اللاعبين الكبار، حتى وإن اقتضى الأمر التضحية ببلاد وشعوب في سبيل إتمام الصفقات.

فهل نَمْلِكُ على الأقل كسوريين، بكافة مشاربنا، مشروعاً واضحاً يُخرِجُنا مِن موقع الضٍحيّة إلى موقع الفاعل؟ أم سنبقى مُجَرَّد بَيَادِق في حروب الآخَرين؟

الأحد ١٥ حزيران ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى