الهوية الوطنية بين التعدد والتعايش

تقف سوريا اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث تتزاحم الأسئلة حول الهوية والمواطنة وشكل الدولة المقبلة.
ورغم ما مر به هذا البلد من محن وجراح، يبقى السوريون بكل مكوناتهم وانتماءاتهم أصحاب انتماء صادق لأرضهم وتاريخهم وذاكرتهم. غير أنّ هذا الانتماء الوطني كثيرًا ما يتعرض للتشويه حين يقرأ كل مكون الوطن من زاوية ضيقة، فيرى المواطنة بمعايير مرتبطة بهواجسه الخاصة لا بالمصلحة العامة.
لقد عاش السوريون عبر التاريخ كشعوب وثقافات هويات متعددة، لكل منها إرثها وخصوصيتها، دون أن تكون بينهم خصومة أو صراع وجودي فالتعدد لم يكن يوما تهديدا، بل كان مصدراللغنى والثراء الحضاري مادام هذا التعدد قائم على منطق الدولة لا على منطق العصبيات، فإنه يتحول إلى قوة ترفع الوطن، لا إلى عبء يجره نحو الانقسام.
لكن يبقى السؤال الأهم:
كيف يمكن أن نبني سوريا جديدة بعقول تستوعب الجميع، وتتعامل مع الوطن كفضاء جامع لا كساحة تنازع بين الهويات؟
إن تأسيس دولة مواطنة حقيقية في سوريا ليس حلما بعيدا بل خيار مطلوب اذا بني على القاعدة الاساسية
الانتماء السوري هو المظلة التي تكفل حقوق الجميع دون تمييز، وتحفظ خصوصياتهم دون أن تتحول إلى جدران فاصلة.
في هذه الدولة لا يكون لمكون أفضلية على آخر
ولا يطلب من أي جماعة أن تتنكر لثقافتها
ولا تفرض الهوية الوطنية كقالب يذيب التنوع
بل تبنى الهوية الوطنية من عناصر هذا التنوع نفسه.
كيف نصبح جميعاً سوريين من الدرجة الأولى؟
الطريق يبدأ من مبدأ بسيط وعادل وهو
أن يحصل كل فرد وكل جماعة على حقوقها باعتبارها جزءاً من الوطن لا باعتبارها مكونا يسعى لانتزاع حصته.
فالدفاع عن حقوق الآخر هو دفاع عن استقرار الوطن كله وحماية ثقافة أي جماعة هو تعزيز لقوة الهوية السورية الجامعة والشعور بالعدالة المتساوية هو وحده ما يصنع انتماءاً راسخاً لدى الجميع.
الوطن الذي لا نتشاركه… لا نستطيع حمايته
الوطن ليس شعاراً ولا لغة خطاب، بل مسؤولية نتقاسمها جميعاً
وليس قوة تمارس على الداخل، بل قوة نستخدمها معاً لحماية مستقبلنا المشترك.
ولكي تبنى دولة مستقرة وديمقراطية، يجب أن تتحطم ثنائية “نحن” و“هم”، ويحل مكانها:
نحن السوريون وصناديق الاقتراع التي تعطي الجميع حقا واحدا وصوتاً واحداً.
عندها فقط تتحول التعددية من سبب للخلاف إلى مصدر للقوة، وتصبح سوريا وطنا يجمع الجميع كشركاء حقيقيين، لا كجماعات متجاورة يربطها القلق أكثر مما يربطها الأمل.
بقلم : أحمد إسماعيل
الأربعاء 19 تشرين الثاني 2025م




