سوريا أمام اختبار السلم الأهلي ووحدة المصير المشترك

تمرّ سوريا في مرحلة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية، بما يضع السلم الأهليووحدة الدولة أمام اختبار حقيقي. طبيعة هذه المرحلة لا تخص فئة أو مكوّنًا بعينه، بل تمسّ المجتمع السوري ككل،وتطال مستقبل الدولة وشكل العلاقة بين مواطنيها.
تشير الوقائع الميدانية والسياسية إلى أن تصاعد التوترات والانقسامات، أياً كان مصدرها، يفاقم حالة عدم الاستقرارولا يقدّم حلولًا مستدامة. التجربة السورية خلال السنوات الماضية أثبتت أن العنف والتحريض والانغلاق الهويّاتي لمينتج عنها سوى مزيد من الخسائر البشرية والتفكك المجتمعي، دون تحقيق أي مكاسب وطنية.
تاريخ سوريا الاجتماعي يقوم على التعدد والتعايش، حيث شكّل التنوع الديني والثقافي والإثني عنصر غنى لا عاملصراع هذا الواقع لم يكن نتاج تسويات ظرفية، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل من الشراكة في الأرض والمصير. منهنا، فإن أي مقاربة سياسية أو اجتماعية تقوم على الإقصاء أو الاختزال الطائفي تتناقض مع طبيعة المجتمع السورينفسها.
في هذا السياق، تبرز أهمية استعادة دور الدولة بوصفها الإطار الجامع والمنظّم للعلاقات العامة. إن تعزيز سيادةالقانون، وتطبيقه بشكل متساوٍ على جميع المواطنين دون استثناء، يشكّل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة وضمانالاستقرار. وكل ذلك يتحقق من خلال حوار وطني جامع وعقد اجتماعي جديد يضمن حقوق الجميع العقد الاجتماعي“الدستور” هو الضامن الوحيد للأمن والحقوق، وهي البديل الموضوعي عن منطق السلاح المتفلّت والمرجعياتالمتعددة.
في المقابل، تُعدّ مشاريع التقسيم أو التفتيت، سواء طُرحت بصيغ مباشرة أو غير مباشرة، من أخطر التهديدات التيتواجه البلاد. هذه المشاريع لا تقدّم حماية لأي مكوّن، بل تؤسس لصراعات طويلة الأمد، وتفتح الباب أمام الضعفوالتبعية والتدخلات الخارجية. الحفاظ على وحدة سوريا ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وطنية مرتبطةبالأمن والاستقرار والتنمية.
كما أن السلم الأهلي لا يتحقق عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات يومية واضحة، تبدأ من الخطاب العام، وتمرّبرفض التحريض والكراهية، وتنتهي باحترام الاختلاف ضمن إطار وطني جامع. الاختلاف السياسي والاجتماعي ظاهرةطبيعية، أما تحويله إلى صراع مفتوح فيقود إلى نتائج مدمّرة على المجتمع والدولة معًا.
أمام هذه المعطيات، يبقى الحوار العقلاني، وتغليب المصلحة الوطنية العامة، والالتزام بوحدة البلاد، عناصر أساسيةلأي مسار سياسي مسؤول. سوريا التعددية الديمقراطية الواحدة ، الآمنة، القائمة على المواطنة المتساوية، تظلالإطار الوحيد القادر على استيعاب تنوّع أبنائها وضمان مستقبلهم المشترك.
بقلم : أ.حيدر حمدان / عضو المكتب السياسي.
29 كانون الأول 2025م




