الوعي المجتمعي والتعايش المشترك: مدخل أساسي لبناء الدولة السورية الحديثة

يشكل الوعي المجتمعي أحد الأعمدة الجوهرية لأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة مستقرة وعادلة ولا سيما في السياق السوري الذي شهد تحولات عميقة أثرت في بنية المجتمع والعلاقات بين مكوناته وفي هذا الإطار لم يعد التعايش المشترك خياراً أخلاقياً فحسب بل غدا ضرورة سياسية ملحة لضمان وحدة المجتمع ومنع إعادة إنتاج الصراعات بأشكال جديدة.
لقد أسهم غياب الوعي القائم على عدم الإساءة سواء على أسس سياسية أو اجتماعية أو ثقافية في تعميق الانقسامات المجتمعية وأضعف الثقة بين الأفراد من جهة وبين المجتمع ومؤسساته من جهة أخرى ومن هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين في ترسيخ خطاب عقلاني جامع يقوم على احترام الآخر وحماية الحقوق والاعتراف المتبادل بوصف ذلك مدخلاً أساسياً لإعادة بناء العقد الاجتماعي في سوريا.
وتعد حقوق الفئات التي لم تكن منخرطة في التوترات والصراعات وفي مقدمتها المرأة والطفل معياراً حقيقياً لمدى جدية أي مشروع سياسي إصلاحي فالمرأة السورية رغم أنها لم تكن طرفاً في النزاعات المسلحة تحملت العبء الأكبر من نتائجها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية ومع ذلك لا تزال تعاني من التهميش السياسي وضعف التمثيل في مواقع صنع القرار على الرغم من دورها المحوري في الحفاظ على تماسك المجتمع وإعادة إنتاج القيم الاجتماعية داخل الأسرة.
إن تمكين المرأة سياسياً واجتماعياً لا يعد مطلباً حقوقياً فحسب بل ضرورة استراتيجية لبناء مجتمع مستقر ومتوازن فالمرأة من خلال دورها في التنشئة الاجتماعية تسهم بشكل مباشر في صياغة وعي الطفل وتغرس فيه مفاهيم المواطنة والانتماء واحترام القانون ونبذ العنف وعليه فإن أي إقصاء للمرأة يشكّل إضعافاً مباشراً لفرص بناء مجتمع ديمقراطي سليم وقادر على النهوض.
أما الطفل فهو النواة الحقيقية لمستقبل الدولة والمجتمع إن السياسات التي تفشل في حماية حقوق الطفل في التعليم، والأمان، والحياة الكريمة، إنما تؤسس لواقع هش يهدد مستقبل البلاد على المدى البعيد فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الإقصاء والعنف والإساءة سيكون نتاجاً طبيعياً لمنظومة غير مستقرة في حين أن الطفل الذي يُربى على قيم التعايش والعدالة واحترام الإنسان يشكّل حجر الأساس لدولة القانون والمؤسسات.
وعليه فإن بناء سوريا المستقبل يتطلّب مشروعاً سياسياً واضح المعالم يضع الوعي المجتمعي والتعايش المشترك وحماية حقوق المرأة والطفل في صلب أولوياته بعيداً عن الخطابات الإقصائية أو الشعبوية فالدولة القوية لا تُبنى بالقوة وحدها بل بالوعي والعدالة وضمان حقوق أولئك الذين لم يكونوا طرفاً في الصراع لكنهم كانوا ولا يزالون عماد المجتمع ومستقبله.
بقلم : أ. بارعة ديوب / عضو الهيئة المركزية.
12 كانون الثاني 2026م




