قلم حر

العلمانية.. من أجل إنسان لا طائفة

لم يكن في حسبان الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851، مبتدع مصطلح العلمانية (Secularism)، أن يأتي القرن الحادي والعشرون وما زالت هناك مجتمعات تنظر إلى هذا المفهوم باعتباره خصماً للأديان، أو تهديداً لهويتها، أو حتى مؤامرة على معتقداتها. بل ربما كان سيُدهش أكثر حين يرى أن بعض رجال الدين لا يزالون يصورون العلمانية على أنها دعوة صريحة لإلغاء الدين من المجتمع، في حين أن جوهرها لا يتجاوز السعي لفصل المقدس عن السياسي، ولتحرير الدولة من هيمنة الطوائف والمذاهب.

السؤال المحوري هنا: هل العلمانية ضد الدين حقاً، أم أنها في حقيقتها تحاول فقط أن تضع حدوداً واضحة بين المجال الديني والمجال السياسي والإداري؟

العلمانية في جوهرها:
العلمانية ليست ديناً جديداً ولا عقيدة منافسة، وإنما هي إطار إنساني لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، يهدف إلى حماية الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية.

1. لغوياً:
الكلمة مشتقة من “العالَم” (بفتح العين)، أي ما هو دنيوي مقابل الكهنوتي. فالعلماني هو ببساطة “ابن المجتمع” لا “ابن المؤسسة الدينية”.

2. فلسفياً:
كما يقول المفكر المصري مراد وهبة: “العلمانية هي التفكير النسبي بما هو نسبي، لا بما هو مطلق.”
فهي إذن دعوة لاستخدام العقل في مواجهة قضايا الواقع، بدل الاكتفاء بالاحتماء بالمطلقات التي قد تصلح لزمن ما لكنها لا تجيب عن تحديات كل العصور.

3. اجتماعياً:
العلمانية تعني أن مؤسسات الدولة محايدة. الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم، الرياضة، كلها خدمات عامة، لا مكان فيها للتقسيم الطائفي. فلا يمكن أن نتخيل “جامعة سنية” وأخرى “شيعية” وثالثة “مسيحية”، أو “مستشفى درزي” وآخر “علوي”، لأن الدولة في أصلها بيتٌ للجميع.

4. دينياً:
هي ليست عداءً للدين، بل اعترافاً بحريته. إذ يمكن مقاربتها بأنها: تقديم العقل على النقل في شؤون الدولة، مع ترك الدين مجالاً روحياً حراً يخص الفرد والمجتمع المدني.

5. معرفياً:
بعض المفكرين يفضلون كتابتها العِلمانية (بكسر العين) للتأكيد على علاقتها بالعلم والمعرفة التجريبية. فهي طريقة لفهم الواقع المعيش واختباره عبر قوانين عقلية ووضعية، لا عبر الغيبيات.

6. قانونياً وسياسياً:
العلمانية تمنح الدستور حصانة، وتساوي بين المواطنين أمام القانون. هي الضمانة لمدنية الدولة، لتداول السلطة، ولحماية الأقليات والأكثريات على حد سواء. سياسياً، هي لا تلغي الدين من حياة الناس، لكنها تمنع أي حزب حاكم من فرض معتقداته على المجتمع كله.

7. اقتصادياً:
العلمانية لا تحدد نظاماً اقتصادياً معيناً، لكنها تترك للمجتمع حرية الاختيار بين الرأسمالية أو الاشتراكية أو غيرها، بما يتناسب مع مصالحه.

العلمانية من أجل الإنسان:
الإنسان هو جوهر المشروع العلماني فالغاية ليست كسر سلطة الدين، بل تحرير الفرد من سطوة الطائفة والمذهب، ومنع تحويل الدولة إلى مزرعة دينية أو طائفية.

في مجتمع علماني:
• يحق لكل فرد أن يعبد الله وفق معتقده، دون أن يفرضه على الآخرين.
• يحق للمواطن أن يعيش بكرامة باعتباره “إنساناً” قبل أن يكون تابعاً لطائفة أو مذهب.
• تصبح الدولة مرجعاً جامعاً، تحكم باسم العقل والقانون، لا باسم السماء التي يختلف الناس في فهمها.

* لماذا يهاجمها البعض؟
إن أشد خصوم العلمانية هم أولئك الذين يرون في الدين وسيلة سلطة فالعلمانية، حين تسود، تنتزع منهم احتكارهم للقرار السياسي، وتقطع الطريق على استخدام الدين كسلاح تعبئة أو كوسيلة إقصاء. ولهذا يحاربونها بشراسة، حتى قبل أن يعرفوا حقيقتها.

* نحو مجتمع متحرر من التطرف:
لن يكتب لمجتمعاتنا النجاة من دوامة التطرف إلا إذا تبنّت دولة مدنية علمانية. لكن هذه الخطوة لا تكفي وحدها، إذ يجب أن ترافقها ثورة تعليمية وثقافية، عبر:
• مناهج تعليم حديثة تحفّز النقد والتفكير الحر.
• نشر التنوير وتشجيع العقلانية.
• تحصين المجتمع ضد من يحتكر الحقيقة أو يزعم التفكير نيابة عن الناس.

العلمانية ليست سيفاً مسلطاً على الأديان، بل هي درع يحميها جميعاً إنها الطريق إلى مساواة حقيقية، إلى مجتمع يرى في الإنسان قيمة بحد ذاته، لا مجرد تابع لطائفة أو أداة في يد مذهب.

من دونها ستظل أوطاننا أسيرة انقسامات لا تنتهي، تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه. أما معها، فيمكن أن يولد وطن جديد، وطن للإنسان لا للطائفة.

بقلم :علي نوفل السوطري
25 آب 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى