قلم حر

المرأة بعد الحرب: من تحت الركام إلى صدارة البناء

بين أنقاض المدن المدمّرة وجراح المجتمعات المثقلة بسنوات من النزاع، تنهض المرأة كقوة فاعلة لا غنى عنها في مسيرة التعافي. ففي مختلف بقاع العالم التي عانت من الحروب، أثبتت التجربة أن إشراك المرأة في إعادة الإعمار ليس مجرد مسألة إنصاف اجتماعي، بل خطوة محورية لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.

نساء الأنقاض في ألمانيا: نهوض من العدم
في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان الدمار شبه شامل، والبنية التحتية مدمّرة بالكامل. وبينما غاب الرجال في ساحات القتال أو السجون، وجدت النساء أنفسهن أمام مهمة استثنائية: إعادة بناء البلاد من الصفر. عرفن حينها باسم “نساء الأنقاض”، وكنّ يرفعن الركام بأيديهن، ويعدن استخدام ما تبقى من الحجارة والخشب لبناء المدارس والمستشفيات والمنازل. لم يكن دورهن جسديًا فحسب، بل تولين أيضًا مسؤوليات اجتماعية واقتصادية ساعدت في إعادة الحياة إلى المجتمع الألماني المكلوم.

رواندا: من الإبادة إلى الريادة
عام 1994، شهدت رواندا واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث، خلفت مئات الآلاف من الضحايا ومجتمعًا مفككًا. غير أن النساء سرعان ما تقدمن الصفوف، ليس فقط كأمهات ثكالى أو ناجيات، بل كصانعات قرار وقائدات للمصالحة الوطنية. تولين أدوارًا رائدة في الاقتصاد، وتقدمن بشكل لافت على الصعيد السياسي حتى أصبحت رواندا تحتل المرتبة الأولى عالميًا من حيث نسبة تمثيل النساء في البرلمان. كما شاركن في محاكم “الغاتشاتشا” المجتمعية التي نظرت في جرائم الإبادة، وأسهمن بفعالية في شفاء البلاد من جراحها.

سوريا: الفرصة القادمة في زمن التعافي
بعد أكثر من عقد من النزاع، تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب مشاركة الجميع في إعادة البناء، والمرأة في مقدمة هذه المهمة. المرأة السورية، التي دفعت ثمن الحرب من كل الجوانب، تملك اليوم رصيدًا من القوة والخبرة يجعل منها عنصرًا لا غنى عنه في تحقيق المصالحة الوطنية، وترسيخ ثقافة التعدد والعدالة. إن إشراك النساء في صناعة القرار، ودعم المبادرات الاقتصادية التي تمكّنهن من الاستقلال المادي، لم يعد خيارًا بل ضرورة وطنية لضمان استقرار طويل الأمد.

خاتمة: المرأة ليست هامشًا في سردية ما بعد الحرب
من برلين إلى كيغالي، ومن الركام إلى قبة البرلمان، أثبتت المرأة أن دورها يتجاوز كونها ضحية للحرب؛ فهي ركيزة البناء، وصوت العدالة، وضمانة الاستقرار. في سوريا، كما في كل مكان، لا يمكن تصور مستقبل مشرق دون تمكين النساء وإشراكهن في كل مفصل من مفاصل التعافي. فحين تُمنح المرأة المساحة، تُفتح أبواب الأمل، وتُبنى الأوطان من جديد.

بقلم: [وسام سليمان ]

الخميس  ١٩ حزيران ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى