فنزويلا بين ورقة تفاوض كبرى أوساحة حرب شاملة

مع تصاعد التنافس بين القوى العظمى وإعادة تشكيل موازين القوى في النظام الدولي، برزت فنزويلا كونها إحدىأهم ساحات الصراع الجيوسياسي في القسم الغربي من العالم.
لم تعد الأزمة الفنزويلية شأناً داخلياً أو إقليميا بل اصبحت معضلة كبيرة تتقاطع عندها اعتبارات عدة
أهمها السيطرة على مصادر الطاقة ، والهيمنة الإقليمية، وصراع النفوذ بين الولايات المتحدة من جهة، وخصومهاالدوليين من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى منع تحول فنزويلا إلى منطقة نفوذ متقدم لقوى منافسة مثل روسيا والصين ووحتى إيران، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي ولمكانتها في قارة امريكا الاتينية والعالم
وفي خضم الاحداث الأخيرة التي تضمنت ضربة عسكرية امريكية ، واعتقال الرئيس الفنزويلي . يثار تساؤل جوهري ؟ماموقف حلفاء فنزويلا وما حدود الدعم وطبيعته ؟ ولماذا يبدو الدعم الروسي والصيني والايراني اقرب الى الدعمالسياسي والبلوماسي منه الى التدخل العملي .وهل ممكن ان تتطور الاحداث وتتحول فنزويلا الى ساحة صراعاتدولية ، او ان امريكا بدأت مرحلة جديدة ببناء نظام دولي جديدي قائم على القطبية الواحدة .
حلفاء كاركاس او القوى الداعمة لفنزويلا تمتلك مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي داخل فنزويلا.وتعتبر الصين الشريك الاهم والاكثر حضورا . والقوى الداعمة لفنزويلا تعتبر الخصوم الرئيسيين للولايات المتحدةووجود هذه القوى على مقربة من حدود الولايات المتحدة يشكل مصدر قلق وتهديد لأمنها القومي . غير أنالتطورات الأخيرة كشفت عن تحول في طبيعة ومدى انخراط هذه القوى في مسار التصعيد، بما يعكس تعاملها معفنزويلا كورقة تفاوض ضمن لعبة القوى الكبرى على المستوى الدولي.
الموقف الروسي :
يرتكز الموقف الروسي اتجاه كراكاس على قاعدة صلبة من العلاقات التاريخية وإرث طويل من التعاون العسكرييعود إلى الحقبة السوفيتية .ولكن حدود الدعم الروسي لم تتجاوز الدعم الدبلوماسي والخطابي .
ويفسر هذا الدعم المحدود من موسكو لجملة من القيود
التى فرضتها انخرط موسكو بحرب اوكرانيا وماترتب على ذلك من استنزاف اقتصادي وعسكري قلص من قدرتها علىفتح جبهات جديدة حتى في مناطق تمتلك رمزية كبيرة و نفوذا تقليديا كمان هو الحال في سوريا وايران . فالتدخليعني مزيدا من العقوبات على موسكو
وهذا لايتماشى مع مصالحها الحالية .
والولايات المتحدة مدركة بعدم قدرة موسكو على الانخراط بتصعيد جديد في فنزويلا كما أن احتمالات التقدم فيمسار تسوية سياسية للأزمة الأوكرانية تدفع الكرملين إلى تبنّي سياسة حذرة، تتجنب أي خطوات قد تعقّد علاقاته معواشنطن.
وعليه، يبدو أن فنزويلا، رغم أهميتها الرمزية والاستراتيجية، لم تعد أولوية قصوى للسياسة الروسية في المرحلةالراهنة، حيث تميل موسكو إلى إدارة الملف الفنزويلي بأدوات دبلوماسية منخفضة الكلفة، حفاظًا على توازن دقيقبين دعم حليفها التقليدي وعدم الإضرار بأولوياتها الاستراتيجية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والعلاقة مع الولاياتالمتحدة.
الموقف الصيني :
الصين ترى ان اي تصعيد في امريكا الاتينية سواء في فنزويلا او كوبا يصب قي مصلحتها ، ويربك امريكا ويشتت انتباهواشنطن عن اولوياتها الاستراتيجية في المحيط الهادئ والهندي خصوصا فيما يتعلق بمسألة تايوان .
فحجة الصين تستند على مبدأ المعاملة بالمثل
بما ان واشنطن تسعى لتعزيز نفوذها في تايوان فإن الصين يمكنها تعزيز أنشطتها في على مقربة من امريكا وذلكلتعزيز موقعها الاستراتيجي في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
مع ذلك، تظل فنزويلا من منظور بكين غير ذات قيمة اقتصادية أو جيوسياسية كافية تجعلها تكرس موارد للتدخلالمباشر أو التصعيد في هذا الملف، ما يجعل النهج الصيني في الغالب سيبقى محدود .
الموقف الايراني :
تهدف ايران بدعمها كاراكاس توسيع الضغط على الولايات خارج الشرق الأوسط ولكن يبقى هذا الدعم محدود التأثيرفي موازين القوى .
فايران تفتقر للقدرة والرغبة بالتصعيد والمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة .
وبناءا على ذلك يمكن فهم الوجود الايراني اداة ازعاج وتوسيع المناورة السياسية اكثر منه استعدادا لتحمل تكلفةمواجهة مباشرة مع واشنطن في نصف الكرة الغربي .
وفي هذا السياق، تبدو فنزويلا أقرب إلى ورقة تفاوض في لعبة القوى العظمى، تُستخدم لتحقيق مكاسب استراتيجيةأوسع، لا ساحة مواجهة شاملة قد تفرض تكاليف مرتفعة ومخاطر يصعب احتواؤها بالنسبة لجميع الأطراف.
بقلم : أ. أحمد إسماعيل / عضو الهيئة المركزية
الثلاثاء 6 كانون الثاني 2026م




