قلم حر

الحرب القادمة وتغيّر ميزان الشرق الأوسط – إيران، إسرائيل، وسيناريو ما بعد الانفجار

بقلم: [حسان يونان]

في خضم ما يتكشف من أحداث عسكرية وأمنية غير مسبوقة في الإقليم، تبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل قد تجاوزت حدود “الضربات المتبادلة” أو “الرسائل التكتيكية”. نحن اليوم أمام صراع وجودي مفتوح، يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي. ورغم أن ملامح “الدمار المتبادل” تلوح في الأفق، إلا أن اختلال ميزان القوى يجعل من مخرجات هذه الحرب أكثر فداحة على طرف دون آخر.

أولًا: توازن غير متكافئ وتحالفات واضحة

إيران، رغم قوتها الإقليمية وتشبك نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تواجه اليوم محورًا دوليًا داعمًا لإسرائيل يتكامل عسكريًا واستخباراتيًا وتكنولوجيًا. فالحرب لم تعد تدار بين دولتين، بل تشارك فيها قوى “الناتو” سياسيًا ولوجستيًا وأمنيًا، حتى وإن لم يُعلن عن ذلك رسميًا.

في المقابل، تبدو القوى التي قد تساند إيران إمّا منكفئة أو محاصَرة أو غير قادرة على تحمّل كلفة المواجهة. روسيا غارقة في حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، والصين ما تزال تلعب في حدود المصالح الاقتصادية دون التورّط عسكريًا. أما النظام السوري وحزب الله والميليشيات المرتبطة بإيران، فهي أدوات محلية وليست أوراق توازن في معركة بهذا الحجم.

ثانيًا: استهداف الدولة لا النظام فقط

بعيدًا عن النظرة الاختزالية التي ترى أن الهدف هو تغيير النظام الإيراني، يبدو أن غاية هذه الحرب أعمق بكثير: تفكيك بنية الدولة الإيرانية نفسها وتقسيمها جغرافيًا وعرقيًا، بما يتوافق مع خرائط مشاريع التقسيم القديمة الجديدة.

الضربات لا تستهدف مواقع عسكرية فقط، بل بنى تحتية للطاقة والاتصالات ومراكز حيوية في العمق الإيراني. وهذا النوع من الاستنزاف طويل الأمد قد لا يسقط النظام مباشرة، لكنه يقوّض قدرة إيران على الاستمرار كقوة مركزية موحدة.

ثالثًا: ما بعد إيران – تحولات كبرى قادمة

من السذاجة الاعتقاد أن آثار هذه الحرب ستتوقف عند حدود إيران. السعودية، مصر، وتركيا ستكون في قلب المشهد القادم، وكل واحدة منها ستشهد تحولًا نوعيًا في بنيتها السياسية والاقتصادية والأمنية، سواءً نتيجة العدوى أو بفعل الضرورة الجيوسياسية.

السعودية بالذات، بحكم ثقلها وموقعها ودورها في الخليج والعالم الإسلامي، مرشحة لـ”تحوّل عظيم” في بنيتها الداخلية وآليات حكمها، سواء عبر تسارع مشاريع التحديث أو من خلال تحولات في شكل علاقتها بالغرب أو حتى بنيتها الاجتماعية.

خلاصة: لا مكان للعاطفة في لحظة إعادة التشكيل

في صراعات بهذا العمق والتعقيد، الانحيازات العاطفية ليست فقط عقيمة، بل قاتلة. لا بد من قراءة الواقع كما هو، دون رومانسية ولا أوهام. ما يحدث اليوم ليس خلافًا على مزارع شبعا أو مفاعل نطنز، بل هو إعادة كتابة لتاريخ المنطقة وحدودها وقواعدها، ومن لا يدرك حجم اللحظة سيتحوّل إلى ضحية لها.

السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه الآن: كيف نمنع أن نكون هامشًا في صراع الكبار، وكيف نخلق لأنفسنا مشروعًا وطنيًا وإقليميًا يجعلنا شركاء لا أدوات؟


الأحد ١٥ حزيران ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى