تحول إستراتيجي:أمريكا تتبنى “السياسة الناعمة” في الشرق الأوسط

يشهد الشرق الأوسط تحولات استراتيجية كبيرة في ظل السياسة الأمريكية، التي يبدو أنها تتجه نحو مقاربة جديدة تختلف عن الماضي الذي اتسم بالتدخلات العسكرية وتأجيج الصراعات. فبعد إخفاقات عديدة وتحديات مستمرة لم تتمكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة من احتوائها، أو ربما سعت إلى تأجيجها وفق سياسة “الفوضى الخلاقة”، تظهر ملامح تغيير واضح في نهج واشنطن بالمنطقة.
يبدو أن هذا التغيير مدفوع بإخفاقات الماضي وصعود نماذج بديلة في إدارة النفوذ العالمي، أبرزها النموذج الصيني الذي لا يعتمد على التدخلات العسكرية بقدر ما يستثمر في الاقتصاد والبنية التحتية. لقد بدأت الصين تظهر كقوة اقتصادية قادرة على السيطرة والهيمنة دون إطلاق رصاصة واحدة، مما دفع الولايات المتحدة إلى مراجعة سياساتها في إدارة النفوذ، خاصة في الشرق الأوسط. في هذا السياق، نلاحظ تحولًا واضحًا في المقاربة الأمريكية للمنطقة، من دعم الحروب والأنظمة الديكتاتورية إلى الميل نحو السلام والتهدئة والاستقرار. لم تعد السياسة الأمريكية الحالية تسعى إلى إشعال الجبهات، بل أصبحت تميل إلى إغلاقها وإدارتها بهدوء، حتى لو كان ذلك على حساب حلفائها التقليديين.
تجسد هذا التغيير في التعاطي مع ملفات رئيسية مثل الملف السوري والإيراني، وسعي الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. ففي الملف السوري، أصبح الانفتاح الأمريكي على سوريا جليًا من خلال رفع العقوبات، مما يشير إلى سعي واشنطن نحو التهدئة وإعطاء فرصة حقيقية للسوريين لإعادة بناء وطنهم. وعلى الرغم من أن سوريا لا تزال عصية على التطبيع مع إسرائيل، فإن النفوذ التركي والعربي بات هو المسيطر على القرار السوري، حتى على حساب إسرائيل وأمريكا نفسها. أما على صعيد الملف الإيراني، فالمفاوضات الحالية ليست محصورة بالملف النووي فقط، بل يبدو أن الاتفاق المرتقب هو تمهيد لمصالحة استراتيجية بين واشنطن وطهران. تعتقد الرؤية الأمريكية أن طهران فقدت الكثير من أوراقها الإقليمية في لبنان وسوريا وحتى العراق، مما غير موازين القوى التفاوضية لصالح الغرب. ومع ذلك، هذا لا يعني أن إيران قد انتهت، بل قد يكون التحول الجاري إعادة تموضع مدروس في ظل تفاهمات دولية جديدة.
يتجلى التغيير الجوهري في السياسة الأمريكية أيضًا في فتح قنوات مع حركات كانت مصنفة “إرهابية”، مثل “حماس”. يشير هذا إلى نية واشنطن في إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، خاصة مع السماح بعقد مؤتمر في نيويورك للاعتراف بدولة فلسطينية – وهو تطور رمزي لكنه ثقيل المعنى. وفي لبنان، تُظهر واشنطن ميلًا إلى تسوية جديدة مع حزب الله. يبدو جليًا أننا أمام تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية، من الحروب المفتوحة إلى تسويات جديدة، ومن الارتكاز على القوة الصلبة إلى اعتماد القوة الناعمة. باتت أمريكا تتبع الصين، ليس عسكريًا، بل اقتصاديًا واستراتيجيًا. إنها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في المنطقة، ولكن بشروط جديدة، وتحالفات جديدة، وصيغة أقل عدوانية. إذا ما استمرت هذه الديناميكيات، فإن الشرق الأوسط قد يخرج من دوامة الحرب إلى السلام الدائم.
بقلم :أحمد إسماعيل.
السبت ٢٨ حزيران ٢٠٢٥م




