قلم حر

بين ثقافة الكراهية ومشروع المصالحة: سوريا في مواجهة نفسها.

منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، لم تكن المواجهة فقط مع نظامٍ سياسي مستبد، بل مع إرث ثقافي عميق زرع الكراهية والتمييز بين مكونات المجتمع السوري، وحرَف العلاقات الاجتماعية عن مسارها الطبيعي نحو التصادم والتخوين لقد غُذِّيت لعقودٍ طويلة ثقافة الخوف والكراهية بين الطوائف، بين الريف والمدينة، بين القوميات، وحتى بين أفراد العائلة الواحدة التي فرّقتها الانتماءات السياسية والإيديولوجية.

-ثقافة الكراهية كسلاح سياسي:
لم تكن الكراهية في سوريا نتاج الصدفة، بل أداة ممنهجة. الإعلام الرسمي والتعليم والمناهج التربوية، والخطاب الأمني، كلها ساهمت في إعادة إنتاج صورة “العدو الداخلي” من لا يؤيد النظام يُعتبر خائنًا أو عميلًا ومن يطالب بالحرية يُتهم بالإرهاب. ومع تصاعد الثورة، تصاعدت لغة التخوين والاقتلاع المتبادل، حتى صار شعار “سوريا لنا وليست لكم” حاضرًا في كل خطاب تعبوي.
ومع انتشار السلاح، تحولت الكراهية إلى فعلٍ مادي: تدمير، تشريد، انتقام، ومجازر جماعية، دفعت ثمنها كل أطياف الشعب السوري دون استثناء. وما زاد الطين بلّة أن هذه الثقافة لم تنتهِ بسقوط سيطرة النظام عن بعض المناطق، بل استُنسخت في كيانات المعارضة المسلحة، وحتى في سلطات الأمر الواقع الأخرى، مما كشف عن عمق الأزمة الثقافية في البنية السورية.
المصالحة ليست تسوية سياسية
إنّ الحديث عن “حل سياسي” أو “انتقال ديمقراطي” دون مصالحة وطنية حقيقية، هو بناءٌ على فراغ. المصالحة في سوريا يجب أن تكون مشروعًا شاملًا يعيد ترميم العلاقات الأفقية بين الناس، لا مجرد تقاسم للسلطة بين نخب متنازعة. علينا أن نسأل بجرأة: كيف يمكن للناجين من التعذيب، والمهجرين من بيوتهم، ومن فقدوا أبناءهم أن يعيشوا بجوار جلاديهم دون عدالة؟ وكيف يمكن لمن عاشوا في مناطق النظام تحت القصف والعقوبات أن يثقوا بمن يصفهم بالخونة لأنهم لم يثوروا؟
المصالحة تعني مواجهة الحقيقة، لا دفنها. تعني الاعتراف المتبادل بالآلام والخطايا، لا محو الآخر أو القفز فوق الجراح. لا مصالحة بدون عدالة انتقالية، ولا عدالة انتقالية دون سرد حقيقي للروايات المتعددة للكارثة السورية.
سوريا بحاجة إلى مشروع وطني أخلاقي
اليوم، بعد كل هذا الخراب، لسوريا خياران لا ثالث لهما: إما أن تغرق أكثر في وحل الكراهية والتشظي، وإما أن تُنتج مشروعًا أخلاقيًا وطنيًا جديدًا، يُعيد الاعتبار لفكرة “العيش المشترك”، لا كشعار سياسي، بل كقيمة حياتية لا بديل عنها.
هذا المشروع لا يأتي من فوق، بل من القاعدة الشعبية: من مبادرات المجتمع المدني، من ضحايا العنف أنفسهم، من المثقفين والمفكرين الذين لم تبتلعهم الاصطفافات الحزبية، ومن أجيال جديدة لم تتلوث بالدم. وحده هذا المشروع قادر على إخراج سوريا من أزمتها الوجودية، لا فقط السياسية.

بقلم: يحيى المحمود.

الخميس ٧ آغسطس ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى