القوزلة في الساحل السوري.. تناغم الإنسان مع الطبيعة

النار من أقدم اللغات التي اعتمدتها المجتمعات البشرية للاتصال فيما بينها، والتواصل مع البيئة المحيطة، فشكّلتمنذ اكتشافها هويةً ثقافيةً تحمي المجتمعات الحضرية،وتحمل حضاراتها في أنماط استعمالها، فكانت القوزلةأحدالهويات الحضارية للمجتمعات السورية التي استوطنت في سواحلها على وجه الخصوص، والقوزلة يختلفالعلماء حول جذورها، فيرجعها البعض إلى كلمة “قوزلو” الآشورية التي تعني إشعال النار، فيما يعيدها آخرون إلىكلمة “كوكازال” أو “كُرْزلا” وهي كلمة سريانية تعني رأس السنة، كان السوريون القدماء يستخدمونها رمزاً لإعلانقدوم رأس السنة الشرقية، بفارق ثلاثة عشر يوماً عن رأس السنةالميلادية وفق التقويم الغربي الذي نشأ عن إصلاحالباباغريغوريوس الثالث عشر للتقويم الشرقي، وهي عيد او تقليدشعبي لا ديني.
تبدأ تحضيرات القوزلة قبل يوم 13 كانون الثاني، كما تروي السيدة ميليا قنطار عن طقوس التحضيرات للقوزلة أيامطفولتها في قريتها “عين الجوز” بريف مدينة الشيخ بدر في محافظة طرطوس، إذ “يشكّل أطفال القرية مجموعاتٍتجمع الحطب من الأشجار والشفشاف، والشفشاف باللهجةالمحلية هو قصفات أعواد الأحراش الصغيرة اليابسةالتي تساعد الحطب على الاشتعال، يجمعونها في ساحة القريةالعامة، في حين يقوم الرجال بتحضير الذبائح منالحيوانات التي يربونها كالدواجن البلدية والماشية من خراف وماعز وعجول، بينما كانت تحضّر نساء القريةالمخبوزات المصنوعةمن القمح مثل خبز فطير الميلاد، يعجنوه بالسمن العربي أوزيت الزيتون وحبة البركة، وغيرهمن الفطائر التي يخبزونهاعلى التنور، أو يقلونها بالزيت فيسمونها (زلابية) أو (زليبة)،وقد تكون محشوةً بالأعشابالمحلية كالسلق والسبانخ وغيرهما إلى جانب بعض الأكلات التقليدية مثل كبيبات السلق وهي كِبّة خاصة بأهلالساحل تتكون عجينتها منالبرغل الناعم، محشوةٌ بمزيجٍ السلق المفروم والبصل وزيت الزيتون والسماق، ويسلقونهفي الماء المغلي، ثم يغمسونهافي صوص خاص مصنوع من مزيج الثوم وعصير الليمون الحامض مع زيت الزيتون،بالإضافة إلى البرغل الذي اعتادوا أن يطبخوه بمقلي الفخار على الحطب، ويشوون الكستناء والبلوط والبطاطاالحلوة، وتحضّر فيه الأضاحي،وتُذبح يوم 14 كانون الثاني حيث تبدأ بيوت القرية بإعدادموائد الطعام، وتقيم حفلاتالشواء، وعند الغروب يضرمون النار في الحطب، ويقيمون حفلات الدبكة والرقص على أنغام الشبابة وقرع الطبول،وهم يرددون أهازيج الميجناوالعتابا والهويدلك التقليدية، ويغني شباب القرية: طلي ياعيوني طلي.. عني بعيدة لاتضلي.. خاروفك ربيته منيح.. وصار بيعمل قوزلة.. نعمل قوزلة شركة.. وبالحارة تحلى الدبكة.. وستي تغنيليوتحكي.. عن عرسها بالقوزلة”.
يمتد الاحتفال بالقوزلة، كما يرويها ابن قرية “عين الجوز” السيد عماد عامر على خمسة أيامٍ، تُقام خلالها “احتفالاتو ولائم جماعية في بعض بيوت القرية، واللحم الذي يزيد عن الحاجة كانوا يصنعون منه (قاورما)، وتستمر حتى اليومالسادس وهو يوم القداس الذي يختمونه بالاغتسال والغطس بمياه الأنهار والينابيع أو برك الماء بالرغم من برودتهاكرمزٍللتطهير من الخطايا والذنوب، وتجمع الفتيات باقات الميرمية وأغصان الزيتون والريحان، ويغطسنها بالماء ثميحملنهاإلى بيوتهن، وتبقى الباقات عاماً كاملاً في البيوت، إذ لاتُستبدل بباقاتٍ جديدةٍ حتى القداس القادم كنوعٍ منالبركةالتي تحملها طقوس هذا اليوم”، ويحافظ أهل الساحل السوري حتى اليوم على طقوس القوزلة، فيؤكّد السيدعماد على “استمرار التزامه بممارسة طقوس الاحتفال بالقوزلةبالرغم من استقراره في مدينة طرطوس”، إذ ما يزاليقودسيارته منطلقاً نحو قرية “بملكة” للحصول على “أغصان أشجار القطلب التي يصنع منها أسياخاً لشواء اللحم”،كمابنى تنوراً بجانب بيته، يخبزون عليه الخبز والفطائر، ويطبخ الحبوبية أو “السليقة” باللهجة المحلية قبل القوزلةبيوم، وهي عبارة عن سلق البقوليات مثل القمح والحمّص والبازلاء والذرة وغيرها من الحبوب، وبالرغم من أنّطقوس الاحتفال اليوم بالقوزلة تراجعت نسبياً، واقتصرت على القليل من الممارسات نتيجة الظروف الاقتصادية التييعاني منها السوريون بسبب الحرب، وما أفرزته من ظروفٍ دفعت الإنسان السوري للانشغال بأعماله اليومية وهمومحياته،لكنها لم تستطع أن تمحو هويته الثقافية التي يتوارثها الأجيال.
الباحث الدكتور غسان القيّم يتحدث عن القوزلة كمناسبةٍ تراثيةٍ عميقة الجذور “تحمل في طياتها العديد من الرموزالتي ترسّخ ارتباط الإنسان بالأرض والزمان فترة الانقلاب الشتوي، لها دورٌ كبير في تهيئة الأرض والشعوب لاستقبالعامٍ زراعيٍ جديد، وتشهد قرى الساحل حالةً من النشاط والحركة فرحاً بقدوم العام الجديد، ويرمز إشعال النار فيهذه الليلة إلى طرد الشرور والظلام ويعتبر بداية جديدةيودع فيها الناس شياطين الماضي وأخطائه، وكان الشبابيقفزون فوق النار كنوع من الطقوس الرمزية ليتطهروا منكل الشرور التي حملوها معهم من العام الماضي”،ولمتقتصر احتفالات القوزلة على الطعام فحسب بل “هي فرصةٌ للاحتفاء بالفلكلور الشعبي الموروث عبرالأجيال،حيث تتنقل أقدام الفلاحين في حركةٍ دائمة على إيقاع الدبكة الشعبية والرقصات التي تعبّر عن فرح الأرضبالخصب والنماء، وارتباطهم العميق بالطبيعة”، ويرى رمزية القوزلة في جوهرها “رباطاً متيناً بين الإنسانوالأرض،وهي بكل ما تحمله من معاني تاريخية وطقوس شعبية كانت وما تزال تجسد روح الأرض السورية وجمالها”.
نشأ عيد القوزلة في مجتمعٍ زراعي قديم تشكّل علاقته بالطبيعة جوهر فلسفته في الحياة، قدم للعالم من خلال هذاالتناغم أول أبجديةٍ، وأول نوتةٍ موسيقيةٍ، وامتزجت فلسفته بالمعتقدات الدينية التي نشأت فيها، وتلك التي دخلتهالاحقاً، فأبدعوا طقوساً ثقافيةً جمعت الناس على الألفة والمحبة والتعاون، ابتداءً ببناء بيوتهم، مروراً بمواسم الزراعة والحصاد، وانتهاءً بالمناسبات الاجتماعية من الأفراح والأتراح والأعياد التي يعتبرها أهل الأرض بدايةً جديدة،يمحونالخلافات فيها، ويفتحون صفحاتٍ جديدةً، يبدأوها بتشابك الأيادي في حلقات الدبكة حول نار القوزلة على أنغام آلاتهم الموسيقية البسيطة وأغانيهم الشعبية المتوارثة منذ عصر أم الزلف التي تربعت على عرش حضارة أوغاريت السورية.
بقلم : أ. حسن يوسف فخّور.
17 كانون الثاني 2026م




