قلم حر

النوروز .. تاريخ في عمق الذاكرة

حماة| في سوريا حيثُ تتقاطعُ الجراحُ مع الأمل وتتشابكُ الحكاياتُ بين شعوبٍ صنعت تاريخاً واحداً رغم اختلافالوجوه واللغات يأتي عيد النوروز كنافذةٍ من نورٍ تُفتح في وجه العتمة وكأنّه وعدٌ بأن الربيع لا بدّ أن يعود.

النوروز ليس مجرّد عيدٍ عند الكرد بل هو حكايةُ تحرّرٍ ضاربةٌ في عمق الذاكرة تُستعاد فيها أسطورة كاوا الحداد الذيأشعل النار إعلاناً لانتصار النور على الظلم ومنذ ذلك الحين صارت النارُ رمزاً وصار العيدُ صرخةَ حياةٍ في وجه كلِّانكسار.

غير أنّ هذا الصوت المضيء لم يكن بعيداً عن الألم فقد عانى الكرد في سوريا من سياساتٍ قاسية لعلّ أبرزها إحصاء1962 في الحسكة الذي جرّد عشرات الآلاف من جنسيتهم وحوّلهم إلى غرباء في أرضهم محرومين من أبسطحقوقهم المدنية والإنسانية امتدّ أثر هذا القرار لعقود تاركاً جراحاً عميقة في الذاكرة الكردية ومؤثراً على الأجيال التينشأت وهي تحمل عبئ هذا الحرمان.

ومع ذلك وفي المشهد السوري اليوم حيث تتبدّلُ الملامحُ تحت وطأة الأزمات يبقى الكرد جزءاً أصيلًا من هذا النسيجبما يحملونه من ثقافةٍ وهويةٍ وروحٍ تبحث عن الاعتراف لا الانفصال وعن الشراكة لا العزلة إنّ “المكون الكردي” فيسوريا ليس جزيرةً منفصلة بل امتدادٌ حيٌّ لجغرافيا الإنسان السوري يتنفس من ذات الهواء ويتألم بذات الوجعويحلم بذات الغد.

لكنَّ الطريق نحو هذا الغد لا يُعبَّد إلا بـالسلم الأهلي ذلك المفهوم الذي يتجاوز الشعارات ليصبح ممارسةً يومية فيالحيّ، في المدرسة، في اللغة التي نختارها حين نختلف فالسلم الأهلي هو أن يرى العربي في الكردي شقيقاً فيالمصير وأن يرى الكردي في العربي سنداً لا خصماً وأن تتسع البلادُ للجميع دون خوفٍ أو إقصاء.

لقد علّمتنا السنوات القاسية أن التعايش ليس خياراً ترفيهياً بل ضرورة وجود فلا وطن يُبنى على كسر الآخر ولامستقبل يُصان دون احترام التنوّع وفي لحظةٍ يُشعل فيها الكرد نيران النوروز على التلال يمكن لكل السوريين أن يروافيها أكثر من احتفال وأن يروا دعوةً لإشعال نورٍ داخلي يبدّد ظلام الكراهية.

هنا حيث تتعانقُ الأغاني الكردية مع العربية وحيثُ تختلطُ الخطواتُ في ساحات الفرح يولد أملٌ جديد أن تكونسوريا وطناً يتّسع للجميع وأن يكون النوروز عيداً لكل من يؤمن بأن النور مهما طال غيابه لا بدّ أن ينتصر وأن العدالة وإن تأخّرت قادرةٌ على أن تُعيد للوطن روحه ولأبنائه كرامتهم.

بقلم : أ. حيدر حمدان / عضو المكتب السياسي .

26 آذار 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى