قلم حر

الديمقراطية التشاركية.. من التمثيل إلى الفعل الشعبي

في زمن تتسع فيه الهوة بين الدولة والمجتمع، تبرز الديمقراطية التشاركية كأحد أهم المفاهيم التي تعيد الاعتبارلدور المواطن في صناعة القرار. فالمسألة لم تعد مجرد انتخابات أو تمثيل نيابي، بل باتت تتعلق بقدرة الناس علىالمشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم ومراقبة السلطة التي تمثلهم.

*  من النظرية إلى الممارسة:

تعني الديمقراطية التشاركية أن يمارس الشعب سلطته السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الحوار والمساءلةوالمبادرة. وقد طوّر المفكر الفرنسي دومينيك روسو هذا المفهوم ليجعل منه أداة لربط السياسة بالمجتمع، لا مجردإجراء انتخابي دوري.

وقد نجحت دول مثل البرازيل وسويسرا وفرنسا في ترسيخ هذا النموذج من خلال ما يعرف بـ”الميزانية التشاركية” أوالاستفتاءات الشعبية المنتظمة، ما عزّز الثقة بين المواطن والدولة ورفع مستوى الشفافية.

*  الواقع السوري ومأزق المشاركة:

أما في الحالة السورية، فرغم كثرة الحديث عن “المشاركة الشعبية”، فإنها بقيت في الغالب شكلية وموجّهة. إذرُبطت النقابات والمنظمات بسياسات الدولة، وفقدت استقلالها ودورها الطبيعي كوسيط بين المجتمع والسلطة.

هذا الواقع جعل مفهوم المشاركة أقرب إلى التبعية الإدارية منه إلى الفعل الديمقراطي، فغابت الرقابة الحقيقيةوتحولت المشاركة إلى واجهة سياسية لا أكثر.

*  أسس المشاركة الحقيقية:

لكي تكون المشاركة ذات معنى، لا بد من:

١استقلال المجتمع المدني عن أجهزة الدولة.

٢تعزيز صلاحيات المجالس المحلية في وضع السياسات والميزانيات.

٣ضمان حرية التنظيم والمساءلة العامة.

٤إشراك المواطنين في مراحل صنع القرار كافة، من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة.

فالديمقراطية التشاركية لا تنجح إلا في بيئة تسمح بالنقد والمساءلة، وتحترم التعددية الفكرية والسياسية.

*  في الطريق إلى دولة حديثة:

إن بناء دولة مدنية ديمقراطية لا يتحقق عبر القوانين فقط، بل من خلال ترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية. فالمجتمع الذي يُشرك مواطنيه في القرار العام هو مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.

وتطوير هذه الثقافة يحتاج إلى تعليم مدني حديث، وإلى مؤسسات مستقلة، وإلى إعلام حر يعبّر عن قضايا الناس لاعن السلطة.

*  الديمقراطية التشاركية ليست خياراً ثانوياً أو رفاهية فكرية، بل ضرورة لتجديد الحياة السياسية وبناء الثقة بينالمواطن والدولة. إنها الطريق نحو حكم يقوم على الشفافية والتعاون، لا على الوصاية والهيمنة.

وعندما يصبح صوت المواطن جزءاً من القرار، تتحول الديمقراطية من شعار إلى ممارسة حقيقية.

بقلم: أحمد أعرج .

السبت ١١١٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى