قلم حر

الإعلام ودوره في صناعة القرار السياسي

لم يعد الإعلام في القرن الحادي والعشرين مجرد أداة لنقل المعلومات أو وسيلة لتداول الأخبار، بل غدا قوة استراتيجية ذات تأثير مباشر في صناعة القرار السياسي وتوجيهه لقد تجاوز الإعلام دوره التقليدي بوصفه ناقلاً للوقائع، ليصبح فاعلاً مؤثراً في تشكيل وعي المجتمعات، وصياغة الرأي العام، وتحديد أولويات الأجندة السياسية.

-الإعلام كسلطة رابعة مؤثرة:

يُنظر إلى الإعلام، بحق، على أنه “السلطة الرابعة”، لما يمارسه من رقابة على السلطات الثلاث الأخرى، عبر كشف الحقائق، وتحليل السياسات، وتقديمها للرأي العام بصورة تمكّنه من تكوين موقف واعٍ. هذا الدور الرقابي لا يقتصر على كشف الأخطاء أو فضح الفساد، بل يمتد إلى التأثير في اتجاهات النقاش العام، بما يفرض على صانع القرار السياسي أن يأخذ نبض الشارع في الحسبان قبل إقرار أي سياسة أو تشريع.

-من الرأي العام إلى القرار السياسي:
تتشكل القرارات السياسية في بيئة معقدة تتداخل فيها المصالح والضغوط المحلية والدولية، لكن الرأي العام يظل أحد عناصرها الجوهرية والإعلام، بما يملكه من قدرة على الوصول السريع والمباشر إلى الجمهور، يقوم بصياغة هذا الرأي أو إعادة تشكيله عبر اختيار القضايا التي يسلّط الضوء عليها، وطريقة عرضها، والخطاب المستخدم في معالجتها وهكذا، يتحول الإعلام من مجرد ناقل إلى طرف مشارك في صياغة القرار، سواء من خلال الضغط الشعبي، أو عبر خلق مناخ سياسي واجتماعي معين.

-بين المهنية والتوجيه:
إن خطورة دور الإعلام تكمن في الفارق بين الإعلام المهني المستقل، الذي يلتزم بالمعايير الأخلاقية والموضوعية، وبين الإعلام الموجّه الذي يخضع لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية ففي حين يساهم الإعلام الحر في تعزيز الشفافية وإثراء النقاش العام، قد يتحول الإعلام الموجّه إلى أداة لتزييف الحقائق وتبرير السياسات القائمة، مما يضعف الثقة بين الجمهور وصانع القرار، ويشوّه عملية صنع القرار نفسها.

-الإعلام في عصر المنصات الرقمية:
أحدثت الثورة الرقمية تحوّلاً جذرياً في طبيعة التأثير الإعلامي، حيث لم يعد الإعلام محصوراً في مؤسسات تقليدية، بل أصبح لكل فرد القدرة على إنتاج المحتوى ونشره عبر المنصات الرقمية هذا التطور ضاعف سرعة انتشار المعلومات، وزاد من حدة الضغوط على الحكومات لاتخاذ قرارات عاجلة استجابةً لردود الفعل الجماهيرية غير أن هذه السرعة كثيراً ما تأتي على حساب التحقق والدقة، وهو ما يفرض تحديات إضافية على كل من الإعلام وصانعي القرار.

إن فهم دور الإعلام في صناعة القرار السياسي يستدعي إدراك طبيعته المزدوجة: فهو أداة للتنوير والمساءلة حين يمارس دوره باستقلالية ومهنية، كما يمكن أن يكون أداة للتضليل والتوجيه إذا خضع لهيمنة المصالح الضيقة لذلك، فإن العلاقة بين الإعلام والسياسة يجب أن تقوم على التوازن والشفافية، لضمان أن تكون القرارات السياسية انعكاساً للمصلحة العامة، لا لنتاج حملات دعائية أو ضغوط إعلامية غير منضبطة.

بقلم : يزن أبو سمرة.
الخميس ١٤ آب ٢٠٢٥م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى