قلم حر

سوريا بين نيران إيران وإسرائيل: صراع النفوذ وتفاقم الأزمة الإنسانية

تشهد سوريا تصعيدًا مستمرًا في حدة الصراع غير المعلن بين إسرائيل وإيران، حيث تحوّلت أراضيها إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجانبين، وسط تدهور متسارع في الأوضاع الأمنية والإنسانية، وتراجع دور الدولة المركزية لصالح قوى إقليمية تتصارع على النفوذ.
خلفية الصراع: سوريا بوابة “محور المقاومة”
منذ بداية النزاع السوري عام 2011، أصبحت سوريا حلقة رئيسية في مشروع إيران الإقليمي المعروف بـ”محور المقاومة”، والذي يشمل ميليشيات من لبنان والعراق واليمن. غير أن هذا التمدد الإيراني لم يمر دون ردّ، إذ صعّدت إسرائيل من ضرباتها الجوية خلال السنوات الأخيرة، مستهدفة قواعد ومخازن أسلحة ومراكز أبحاث تابعة لإيران وحلفائها داخل الأراضي السورية.
في سبتمبر 2024، شنت إسرائيل واحدة من أوسع عملياتها، حيث قصفت منشأة تحت الأرض في مصياف يُعتقد أنها مخصصة لتطوير الصواريخ، ما أدى إلى مقتل العشرات وتدمير المنشأة بالكامل. وقد تكررت العمليات لاحقًا في دمشق وريفها، بما في ذلك استهداف مراكز أبحاث ومواقع أمنية تستخدمها إيران في تطوير برامج تسليحية.
أهداف إسرائيل المعلنة والمبطنة
تصرّ إسرائيل على أن عملياتها تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى “منع التموضع الإيراني” في سوريا، وتصف ذلك بأنه جزء من جهود أوسع لردع النفوذ الإيراني على حدودها الشمالية. إلا أن هذا التصعيد يعكس أيضًا تنافسًا إقليميًا على إعادة رسم خارطة النفوذ في مرحلة ما بعد النزاع السوري، حيث تسعى تل أبيب إلى تثبيت خطوطها الحمراء في وجه طهران.
الموقف السوري: دفاع محدود وقدرات متآكلة
رغم محاولة النظام السوري الرد عبر تفعيل منظومات دفاع جوي روسية الصنع، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة أمام الصواريخ الإسرائيلية المتطورة. وتُظهر الوقائع الميدانية أن الرد السوري غالبًا ما يأتي بعد وقوع الضربات، دون القدرة على منعها أو التأثير في مسارها، ما يعكس ضعف السيادة الجوية السورية وتضاؤل قدرة دمشق على حماية مجالها الحيوي.
انعكاسات إنسانية مأساوية
يدفع المدنيون السوريون كلفة باهظة لهذا الصراع، إذ أدى القصف المتكرر إلى موجات نزوح جديدة تجاوزت 670 ألف شخص منذ أواخر 2024. كما يعاني نحو 1.2 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي وسوء الخدمات الصحية، خصوصًا في المناطق التي استُهدفت بالقصف، حيث ارتفعت نسبة الإصابة بالأمراض التنفسية بفعل الدمار والدخان.
البعد الإقليمي والدولي
في ظل هذا التصعيد، تبدو القوى الدولية منشغلة بإعادة تموضعها. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قلّصت وجودها العسكري في سوريا إلى قاعدة واحدة في شرق الفرات، بينما تسعى روسيا للحفاظ على قواعدها الاستراتيجية في طرطوس وحميميم. أما تركيا، فتواصل الدفع نحو حلول تُراعي مصالحها على الحدود الشمالية، لا سيما في ظل حساسية ملف اللاجئين والأمن القومي.
في المقابل، تبقى الأمم المتحدة عاجزة عن كبح التصعيد أو توفير استجابة إنسانية فعالة، في وقت تجاوز فيه عدد النازحين السوريين داخليًا وخارجيًا أكثر من 13.5 مليون شخص، وفق تقديرات دولية حديثة.

خلاصة: سوريا ضحية صراعات الآخرين
في ظل هذا المشهد المعقّد، تغيب أي بوادر لحل سياسي شامل. فالصراع بين إسرائيل وإيران داخل الأراضي السورية لا يبدو أنه سينحسر قريبًا، بل على العكس، يتجه نحو مزيد من التعقيد، مما يهدد بنشوب مواجهات أوسع تشمل الفصائل المحلية وتزيد من هشاشة الدولة السورية ومآسي شعبها.

17 حزيران 2025

بقلم :عبدالله الأحمد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى